طول صلاة الرجل وقِصَر خطبته مئنَّةٌ من فقهِهِ، فأطيلوا الصَّلاة، واقْصُروا الخطبة». والمَئِنَّة: العلامة.
وعند سُرَّاق الصلاة أنَّ العجلة فيها من علامات الفقه، فكلَّما سَرَق١ ركوعها وسجودها وأركانها كان ذلك علامة فضيلته وفقهه.
وفي «صحيح ابن حبان»٢، و«سنن النَّسائي»٣، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «كان رسول الله ﷺ يُكْثِرُ الذِّكْرَ، ويقلُّ اللَّغوَ، ويطيل الصَّلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنفُ يمشي٤ مع الأرملة والمسكين، فيقضى له الحاجة». فهذا فعلُه، وذاك قولُه في مثل صلاة الجمعة التي يجتمع لها الناس، وكان يقرأ فيها بسورة الجمعة والمنافقين كاملتين٥، ولم يقتصر
(١) هـ: «أسرق».
(٢) حديث (١١٢٩).
(٣) حديث (١٤١٤). وأخرجه الحاكم (٢/ ٦٧١) وغيرهم، من طريق الحسين بن واقد عن يحيى بن عقيل عن ابن أبي أوفى ﵁ به. وقد صحَّحه ابن حبَّان والحاكم حيث قال: «صحيحٌ على شرط الشَّيخين»، وقال التِّرمذي في عِلَله (١/ ٣٦٠) بعد أنْ أخرجه: سألتُ محمَّدًا عن هذا الحديث فقال: «هو حديثٌ حسنٌ، وهو حديث الحسين بن واقد، تفرَّد به».
(٤) هـ: «شيء». ط: «لشيء» تحريفٌ!
(٥) يشير إلى ما أخرجه مسلم (٨٧٧)، من حديث أبي هريرة ﵁، وأخرجه أيضًا (٨٧٩)، من حديث ابن عبَّاسٍ ﵄.
على الثلاث١ آيات من آخرهما في جمعةٍ واحدةٍ أصلًا. فعطَّل كثيرٌ من الناس سُنَّته، فاقتصر٢ على آخرهما، ولم يقرأ بهما كاملتين أصلًا.
وكذلك كان يقرأ في فجر يوم الجمعة سورة ﴿تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾[الإنسان/١] كاملتين في الركعتين، مع قراءته المترسِّلة على مُهْلةٍ وتأنٍّ٣. فعطَّل كثيرٌ من الأئمَّة ذلك، واقتصروا٤ على بعض هذه وهذه، أو على إحدى السُّورتين في الرَّكعتين. ومن يقرأ بهما كاملتين فكثيرٌ منهم يقرأ بهما هذًّا بسرعة، وهذا مكروهٌ للإمام. وكُلُّ هذا فِرار من هَدْيِه ﷺ.
فإنْ جاءهم٥ حديثٌ صحيحٌ يخالف٦ ما ألِفُوه واعتادوه قالوا: هذا منسوخٌ، أوخلاف الإجماع، والعيار على ذلك عندهم مخالفة أقوالهم.
ولو كانت أحاديث التَّطويل منسوخةً لكان أصحاب رسول الله ﷺ
(١) هـ: «ثلاث».
(٢) ض: «واقتصر». و«بعض» ليست في هـ وط.
(٣) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٨٩١)، ومسلم (٨٨٠)، من حديث أبي هريرة ﵁، وتقدَّم قريبًا نحوه من حديث ابن عباس ﵄ عند مسلمٍ.