على الثلاث١ آيات من آخرهما في جمعةٍ واحدةٍ أصلًا. فعطَّل كثيرٌ من الناس سُنَّته، فاقتصر٢ على آخرهما، ولم يقرأ بهما كاملتين أصلًا.
وكذلك كان يقرأ في فجر يوم الجمعة سورة ﴿تَنْزِيلُ﴾ السَّجدة، و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾[الإنسان/١] كاملتين في الركعتين، مع قراءته المترسِّلة على مُهْلةٍ وتأنٍّ٣. فعطَّل كثيرٌ من الأئمَّة ذلك، واقتصروا٤ على بعض هذه وهذه، أو على إحدى السُّورتين في الرَّكعتين. ومن يقرأ بهما كاملتين فكثيرٌ منهم يقرأ بهما هذًّا بسرعة، وهذا مكروهٌ للإمام. وكُلُّ هذا فِرار من هَدْيِه ﷺ.
فإنْ جاءهم٥ حديثٌ صحيحٌ يخالف٦ ما ألِفُوه واعتادوه قالوا: هذا منسوخٌ، أوخلاف الإجماع، والعيار على ذلك عندهم مخالفة أقوالهم.
ولو كانت أحاديث التَّطويل منسوخةً لكان أصحاب رسول الله ﷺ
(١) هـ: «ثلاث».
(٢) ض: «واقتصر». و«بعض» ليست في هـ وط.
(٣) يشير إلى ما أخرجه البخاري (٨٩١)، ومسلم (٨٨٠)، من حديث أبي هريرة ﵁، وتقدَّم قريبًا نحوه من حديث ابن عباس ﵄ عند مسلمٍ.
(٤) ض: «واقتصر».
(٥) هـ: «جاء»، ط: «جاءه».
(٦) هـ وط: «خالف».
أعلم بذلك، ولما احتجُّوا بها على من لم يعمل بها، ولا عمل بها أعلم الأمَّة به، وهم الخلفاء الرَّاشدون.
فهذا صِدِّيقُ الأمَّة وشيخ الإسلام، صلَّى الصُّبح، فقرأ البقرة من أوَّلها إلى آخرها - وخَلْفه الصَّغير والكبير وذو الحاجة - فقالوا له: يا خليفة رسول الله، كادت الشمس تطلع! فقال: «لو طلعت الشمس لم تجدنا غافلين»١. ومَضَى على منهاجه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وكان يقرأ في الفجر بالنَّحل ويوسف، وبهود ويونس، وبني إسرائيل، ونحوها من السور٢.
وقد تقدَّم حديث عبد الله٣ بن عمر: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا٤ بالتَّخفيف، ويؤمُّنَا بالصَّافات»٥. فالذي فعله هو الذي أمر به. وقد تقدَّم حكاية الذِّكر والدُّعاء الذي كان يقوله في ركن الاعتدال من الرُّكوع، وأنَّه كان يطيله حتى يقول مَنْ خلفه: «قد أوْهَم». وتقدَّم حديث أبي سعيد في دخوله ﷺ في صلاة الظُّهر: «فيذهب الذَّاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ويأتي أهله، فيتوضَّأ ثم يأتي المسجد، فيدركه في الركعة