فيالله العجب! ما الذي حرَّم الاقتداء به في ذلك، أوجعله مكروهًا؟ ونحن نقول: كلَّا والذي بعثه بالحق، إنَّ الاقتداء به في ذلك مرضاة لله ورسوله، وإنْ تَرَكَها مَنْ تَرَكَها.
وأمَّا حديث سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء، ودخول سهل بن أبي أمامة على٣ أنس بن مالك، فإذا هو يصلِّي صلاةً خفيفةً كأنَّها صلاة مسافر، فقال: «إنَّها لصلاة رسول الله ﷺ»٤ = فهذا ممَّا تفرَّد به ابن أبي العمياء، وهو شِبْه المجهول. والأحاديث الصَّحيحة عن أنسٍ كلُّها٥ تخالفه. كيف يقول أنسٌ هذا وهو القائل: إنَّ أشبه٦ من رأى صلاةً برسول الله ﷺ عمر بن عبد العزيز، وكان يسبِّح عشرًا عشرًا؟ وهو الذي كان يرفع رأسه من الركوع حتى يُقَال: «قد نسِيَ»، وكذلك٧ بين
(١) ض وس زيادة: «بعد». و«الأولى» ليست في ض.
(٢) تقدَّم تخريجه (ص/٣٠٥)، وأنَّه في مسلم.
(٣) ض وهـ وط: «سهيل ..»، ط: «.. عن».
(٤) تقدَّم تخريجه (ص/٣١٧ - ٣١٩).
(٥) س: «كلها عن أنس ..».
(٦) هـ: «شبه».
(٧) هـ وط زيادة: «من».
السَّجدتين، ويقول: «ما آلو أنْ أصلِّي لكم١ صلاة رسول الله ﷺ»٢. وهو الذي يبكي على إضاعتهم الصَّلاة؟
ويكفي في ردِّ حديث ابن أبي العمياء ما تقدَّم من الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة، التي لا مَطْعَن في سندها، ولا شبهة في دلالتها٣. فلو صحَّ حديث ابن أبي العمياء - وهو بعيدٌ عن٤ الصِّحَّة - لوجب حمله على أنَّ تلك صلاة رسول الله ﷺ للسُّنَّة الرَّاتبة، كسُّنَّة الفجر والمغرب والعشاء، وتحيَّة المسجد، ونحوها، لا أنَّ تلك صلاته التي كان يصلِّيها بأصحابه دائمًا. وهذا ممَّا يقطع ببطلانه، وتردُّه٥ سائر الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة.
ولا ريب أنَّ رسول الله ﷺ كان يخفِّف بعض الصَّلاة، كما كان يخفِّف سُنَّة الفجر، حتى تقول عائشة أم المؤمنين: «هل قرأ فيها بأمِّ القرآن٦؟»٧. وكان يخفِّف الصَّلاة في السَّفر، حتى كان ربَّما قرأ في