الفجر بالمعوِّذَتين١. وكان يخفِّف إذا سمع بكاء الصَّبي٢.
فالسُّنَّة التَّخفيف حيث خفَّف، والتَّطويل حيث أطال، والتوسُّط غالبًا.
فالذي أنكره أنسٌ هو التَّشديد، الذي لا يخفِّف صاحبُه على نفسه، مع حاجته إلى التَّخفيف، ولا ريب أنَّ هذا خلاف سُنَّته وهَدْيه.
وأمَّا حديث معاذٍ، وقوله ﷺ: «أفتَّانٌ أنت يا معاذ؟» فلم يتعلَّق السُّرَّاق منه إلَّا بهذه الكلمة، ولم يتأمَّلوا أوَّل الحديث وآخره! فاسْمَع سياق٣ قصَّة معاذٍ. فعن جابر بن عبد الله قال: أقبل رجلٌ بناضِحَين٤ وقد جنح اللَّيل، فوافق معاذًا يصلِّي، فترك ناضِحَيه، وأقبل إلى معاذٍ٥، فقرأ بسورة البقرة أو النِّساء، فانطلق الرجل، وبَلَغه أنَّ معاذًا نال منه، فأتى رسول الله ﷺ، فشكا٦ إليه معاذًا، فقال النَّبيُّ ﷺ: «أفتَّانٌ أنت٧، أو قال: أفاتنٌ
(١) تقدَّم تخريجه (ص/٣٢٢) من حديث عقبة بن عامر.
(٢) تقدَّم تخريجه (ص/٢٩٠)، وأنَّه في الصَّحيحين.
(٣) «سياق» ليست في هـ وط.
(٤) النواضح: هي الإبل التي يستقى عليها من النَّهر أوالبِئْر. يُنْظَر: النَّهاية لابن الأثير (٥/ ٦٨).
وفي «مسند الإمام أحمد٣»٤، من حديث أنس بن مالكٍ قال: كان معاذ بن جبل يؤمُّ قومه، فدخل حرامٌ٥ وهو يريد أنْ يسقي نخْلَهُ، فدخل المسجد مع القوم، فلمَّا رأى معاذًا طوَّل تجوَّزَ في صلاته، ولحق بنخْلِهِ يسقيه، فلمَّا قضى معاذٌ الصَّلاة قيل له ذلك، فقال: إنَّه لمنافقٌ، أيعجل عن الصَّلاة من أجل سقي٦ نخله! قال: فجاء حرامٌ النَّبيَّ ﷺ
ــ ومعاذ عنده ــ فقال: يا نبيَّ الله، إنِّي أردت أن أسقي نخلًا لي، فدخلت المسجد لأصلِّي مع القوم، فلمَّا طوَّل تجوَّزْتُ في صلاتي، ولحقت بنخلي أسقيه، فزعم أنِّي منافقٌ! فأقبل النَّبيُّ ﷺ على معاذٍ، فقال: «أفتَّانٌ
(١) هـ وط: «مرات».
(٢) البخاري (٧٠٥)، ومسلم (٤٦٥).
(٣) «أحمد» ليست في ض.
(٤) (٣/ ١٠١)، من طريق ابن عُلَيَّة عن عبد العزيز بن صُهَيب عن أنسٍ ﵁ به، وهذا إسناد صحيح، ويُنظر: إرواء الغليل للألباني (٢٩٥).
(٥) هـ وط: «حزام». وكذا في الموضع التَّالي بعده قريبًا.