والذي في «الصَّحِيحَين١» أنَّه قرأ بسورة البقرة، وشكَّ بعض الرُّواة فقال: «بالبقرة أوالنِّساء». وقصَّة قراءته بـ ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ لم تُذْكَر في «الصَّحيح». والذي في «الصَّحِيْحَين»٢ أولى بالصِّحَّة منها.
وقد حفظ الحديث جابرٌ فقال: «كان معاذٌ يصلِّي مع النَّبيِّ ﷺ العشاء، ثُمَّ أتى قومه فأمَّهُم، فافتتح بسورة البقرة». وذكر القِصَّة. فهذا جابرٌ أخبر أنَّه فعل ذلك مرَّةً، وأنَّه قرأ بالبقرة ولم يشكَّ، وهذا الحديث متَّفقٌ على صِحَّته، أخرجاه في «الصَّحِيْحَين»٣. والله أعلم.
فصْلٌ
وقد ظهر بهذا أنَّ التعمُّق والتنطُّع والتَّشديد الذي نهى عنه رسول الله ﷺ هو المخالف لهَدْيه وهَدْي أصحابه، وما كانوا عليه. وأنَّ موافقته فيما فعله هو وخلفاؤه من بعده هو محض المتابعة، وإنْ أباها مَنْ أباها، وجهلها مَنْ جهلها.
فالتعمُّق والتَّنطُّع: مخالفة ما٤ جاء به، وتجاوزه، والغلوُّ فيه.
(١) تقدَّم (ص/٣٨٩).
(٢) هـ وط: «الصحيح».
(٣) البخاري (٧٠١)، ومسلم (٤٦٥).
(٤) ض: «لما».
ويقابِلُهُ١: إضاعته، والتَّفريط فيه، والتَّقصير عنه. وهما خطأٌ وضلالةٌ، وانحرافٌ عن الصَّراط المستقيم والمنهج القويم. ودين الله بين الغالي فيه٢ والجافي عنه٣.
وقد قال علي بن أبي طالبٍ٤: «خير النَّاس النَّمط الأوسط؛ الذي يرجع إليهم الغالي، ويلحق بهم التَّالي». ذكره ابن المبارك عن محمد ابن طلحة عن عليٍّ٥.
(١) هـ وط: «ومقابله».
(٢) «والتقصير .. فيه» سقطت من ض.
(٣) «عنه» سقطت من ض.
(٤) ط زيادة: «كرَّم الله وجهه».
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٥٦٣٩) من طريق يزيد بن هارون عن محمد ابن طلحة عن زبيد قال: قال عليٌّ: «خير النَّاس هذا النَّمَط الأوسط، يلحق بهم التَّالي، ويرجع إليهم العالي». وهذا إسنادٌ منقطعٌ؛ فزبيدٌ هو: ابن الحارث اليامي، لم يلق عليًّا، بل لم يلق أحدًا من الصَّحابة، كما في جامع التَّحصيل (ص/١٧٦)، وتحفة التَّحصيل (ص/١٠٩). تنبيه: قوله: «العالي» هكذا أثبته محقِّق المصنَّف، وأشار في الهامش إلى أنَّه «الغالي» في بعض النسخ الأخرى. وهو المشهور، والمناسب من جهة المعنى. وأخرجه اللَّالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السُّنة (٢٦٧٩) من طريق أبي عبيد القاسم بن سلَّام عن أبي بدرٍ شجاع بن الوليد بن قيسٍ عن خلف بن حوشب عن الوليد بن قيسٍ عن عليٍ ﵁ نحوه. ولم أقف على من ذكر سماعًا للوليد من عليٍّ.