ويقابِلُهُ١: إضاعته، والتَّفريط فيه، والتَّقصير عنه. وهما خطأٌ وضلالةٌ، وانحرافٌ عن الصَّراط المستقيم والمنهج القويم. ودين الله بين الغالي فيه٢ والجافي عنه٣.
وقد قال علي بن أبي طالبٍ٤: «خير النَّاس النَّمط الأوسط؛ الذي يرجع إليهم الغالي، ويلحق بهم التَّالي». ذكره ابن المبارك عن محمد ابن طلحة عن عليٍّ٥.
(١) هـ وط: «ومقابله».
(٢) «والتقصير .. فيه» سقطت من ض.
(٣) «عنه» سقطت من ض.
(٤) ط زيادة: «كرَّم الله وجهه».
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٣٥٦٣٩) من طريق يزيد بن هارون عن محمد ابن طلحة عن زبيد قال: قال عليٌّ: «خير النَّاس هذا النَّمَط الأوسط، يلحق بهم التَّالي، ويرجع إليهم العالي». وهذا إسنادٌ منقطعٌ؛ فزبيدٌ هو: ابن الحارث اليامي، لم يلق عليًّا، بل لم يلق أحدًا من الصَّحابة، كما في جامع التَّحصيل (ص/١٧٦)، وتحفة التَّحصيل (ص/١٠٩). تنبيه: قوله: «العالي» هكذا أثبته محقِّق المصنَّف، وأشار في الهامش إلى أنَّه «الغالي» في بعض النسخ الأخرى. وهو المشهور، والمناسب من جهة المعنى. وأخرجه اللَّالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السُّنة (٢٦٧٩) من طريق أبي عبيد القاسم بن سلَّام عن أبي بدرٍ شجاع بن الوليد بن قيسٍ عن خلف بن حوشب عن الوليد بن قيسٍ عن عليٍ ﵁ نحوه. ولم أقف على من ذكر سماعًا للوليد من عليٍّ.
وقال ابن عائشة١: «ما أمر الله عباده بأمرٍ إلَّا وللشَّيطان فيه نزغتان؛ فإمَّا إلى غلوٍّ، وإمَّا إلى تقصير»٢.
وقال بعض السَّلف: «دينُ الله بين الغالي فيه والجافي عنه»٣.
وقد مَدَح تعالى أهل التَّوسُّط بين الطَّرَفين المنْحَرِفَيْن في غير موضعٍ من كتابه، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾[الفرقان/٦٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾[الإسراء/٢٩]. وقال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾[الإسراء/٢٦].
فمَنْعُ ذي القُرْبى والمسكين وابن السَّبيل حقَّهُم انحرافٌ في جانب الإمساك، والتَّبذيرُ انحرافٌ في جانب البَذْل، ورضا الله فيما بينهما؛ ولهذا كانت هذه الأمَّة أوسط الأُمم، وقبلتها أوسط القِبَل بين القِبْلَتَيْن المنحَرِفَتَيْن، والوسط دائمًا محميٌّ بالأطراف٤، فالخَلَل إليها أسرع،
(١) في هامش ط: «هو: عبيد الله بن محمد بن حفص». تقريب.
(٢) أخرجه الخطَّابي في العُزْلة (ص/٢٣٧) قال: أخبرني إبراهيم بن عبد الرحيم العنبري قال حدثنا ابن أبي قماش عن ابن عائشة، فذكره، وتتمَّته: «فبأيِّهما ظفر قنع».
(٣) أخرجه الدارمي (١/ ٢٩٦) من طريق شريك عن المبارك بن فضالة عن الحسن قال: «سُنَّتكم والله الذي لا إله إلا هو بينهما، بين الغالي والجافي …».