الصلاة

وقال ابن عائشة١: «ما أمر الله عباده بأمرٍ إلَّا وللشَّيطان فيه نزغتان؛ فإمَّا إلى غلوٍّ، وإمَّا إلى تقصير»٢.

وقال بعض السَّلف: «دينُ الله بين الغالي فيه والجافي عنه»٣.

وقد مَدَح تعالى أهل التَّوسُّط بين الطَّرَفين المنْحَرِفَيْن في غير موضعٍ من كتابه، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان/٦٧]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء/٢٩]. وقال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء/٢٦].

فمَنْعُ ذي القُرْبى والمسكين وابن السَّبيل حقَّهُم انحرافٌ في جانب الإمساك، والتَّبذيرُ انحرافٌ في جانب البَذْل، ورضا الله فيما بينهما؛ ولهذا كانت هذه الأمَّة أوسط الأُمم، وقبلتها أوسط القِبَل بين القِبْلَتَيْن المنحَرِفَتَيْن، والوسط دائمًا محميٌّ بالأطراف٤، فالخَلَل إليها أسرع،

  1. (١) في هامش ط: «هو: عبيد الله بن محمد بن حفص». تقريب.
  2. (٢) أخرجه الخطَّابي في العُزْلة (ص/٢٣٧) قال: أخبرني إبراهيم بن عبد الرحيم العنبري قال حدثنا ابن أبي قماش عن ابن عائشة، فذكره، وتتمَّته: «فبأيِّهما ظفر قنع».
  3. (٣) أخرجه الدارمي (١/ ٢٩٦) من طريق شريك عن المبارك بن فضالة عن الحسن قال: «سُنَّتكم والله الذي لا إله إلا هو بينهما، بين الغالي والجافي …».
  4. (٤) هـ وط: «الأطراف».
395

كما قال الشَّاعر١:

كانت هي الوسط المحْمِي فاكتَنَفَتْبها الحوادث حتَّى أصبحَتْ طَرَفَا

فقد اتَّفق شرع الرَّب تعالى وقدره على أنَّ خيار الأمور أوساطها.

وأمَّا قولهم: إنَّ محبَّة الصَّحابة لرسول الله ﷺ ولصوته وقراءته يحملهم على احتمال إطالته، فلا يجدون لها مشقَّةً= فلعمر الله٢ إنَّ الأمر كما ذكروه٣، بل حبُّهم له يحملهم على بذل نفوسهم وأموالهم بين يديه، وعلى وقاية نَفْسِه الكريمة بنفوسهم؛ فكانوا يتقدَّمون إلى الموت بين يَدَيْه تقدُّم المحبِّ إلى رضا محبوبه.

ولعمر الله هذا شأن أتباعه من بعده إلى يوم القيامة، لا تأخذهم في متابعة سُنَّته٤ لومة لائمٍ، ولا يثنيهم٥ عنها عذْلُ عاذلٍ، فهم يحتملون

  1. (١) البيت لأبي تمَّام وروايته في ديوانه (شرح الصولي ٢/ ٦٧، شرح التبريزي ١/ ٤٢٥)، قال:
    كانت هي الوسط الممنوع فاستَلَبَت … ما حولها الخيلُ حتى أصبَحَت طَرَفا
    ونسبه إليه على هذا الوجه أبو حيان في البحر المحيط في تفسير قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ …﴾ وغيره.
  2. (٢) هـ وط: «يجدون بها ..». س وض: «.. فلعمرو الله». وكذا في الموضع الآتي بعده.
  3. (٣) هـ وط: «ذكروا».
  4. (٤) هـ وط: «يأخذهم ..». س: «.. سننه». وكذا في الموضع التَّالي بعده.
  5. (٥) ض: «ينهنهم»، ط: «يشنهم». تحريفٌ.
396

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي