ومن استحبَّه بعد الرَّكوع فذهب إلى الأحاديث التي صرَّحَت١ بأنَّه بعد الركوع، وهي صِحاحٌ كُلُّها.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: يقول أحدٌ في حديث أنسٍ: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ قَنَت قبل الركوع» غير عاصم الأحول؟ قال: ما علمتُ أحدًا يقولُه غيره خالف عاصمًا.
قلتُ: هشام٢ عن قتادة عن أنسٍ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَنَت٣ بعد الركوع»، والتَّيمي عن أبي مجلز عن أنس: «أنَّ٤ النَّبيَّ ﷺ قَنَت بعد الرُّكوع»، وأيُّوب عن محمَّدٍ قال: سألتُ أنسًا، وحنظلة السَّدوسي عن أنس، أربعة وجوهٍ.
قيل لأبي عبد الله: وسائر الأحاديث أليس إنَّما هي بعد الركوع؟ قال: بلى كُلُّها، خِفَاف بن إيماء٥ وأبو هريرة.
(١) ض: «خرجت».
(٢) ض: «هشاما».
(٣) هـ: «وقنت».
(٤) ض وس: «عن».
(٥) هـ وط: «خفاف أين إنما». تحريفٌ. وخفاف بن إيماء بن رحضة الغفاري، وكان إمام بني غفار وسيَّدهم، له ولأبيه صحبةٌ، وشهد الحديبية مع رسول الله ﷺ». ترجمته في: تهذيب الكمال (٨/ ٢٧١)، والإصابة لابن حجر (٢/ ٣٣٥).
قلتُ لأبي عبد الله: فلِمَ ترخِّصُ١ إذًا في القنوت قبل الركوع، وإنَّما صحَّ الحديث٢ بعد الركوع؟
فقال: القنوت في الفجر بعد الركوع، وفي الوِتْر نختاره بعد الركوع، ومن قَنَت قبل الركوع فلا بأس؛ لفعل أصحاب رسول الله ﷺ واختلافهم فيه، فأمَّا في الفجر فبعد الركوع، والذي فعله رسول الله ﷺ هو القُنُوت في النَّوازل، ثُمَّ تَرَكَه، ففِعْله سُنَّةٌ، وتَرْكُه سُنَّةٌ، وعلى هذا دَلَّت جميع الأحاديث، وبه تتَّفِق السُّنَّة.
وقال عبد الله بن أحمد٣: سألتُ أبي عن القُنُوت في أيِّ صلاةٍ؟ قال: في٤ الوتر بعد الرُّكوع، فإنْ قَنَت رجلٌ في الفجر، اتِّباع ما روي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قَنَت دعاءً للمستضعفين فلا بأس، فإنْ قَنَت رجلٌ بالنَّاس، يدعو لهم ويستنصر الله تعالى فلا بأس.
وقال إسحاق الحربيُّ٥: سمعت أباثورٍ يقول لأبي عبد الله أحمد
(١) س: «يرخص».
(٢) ط: «الأحاديث».
(٣) مسائل عبد الله (٢/ ٣٠٤) بنحوه.
(٤) «في» ليست في هـ.
(٥) إسحاق بن الحسن بن ميمون بن سعد، أبو يعقوب الحربي، ترجم له القاضي ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ١١٢) ثم نقل عن الخلال أنَّه قال عنه: «نقل عن إمامنا مسائل حسانًا».