وفي "الصَّحيحين"١، من حديث عبد الله بن عمر ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أُمِرْتُ أنْ أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتُوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عَصَموا منِّي دماءَهم وأموالَهم، إلَّا بحقِّ الإسلام، وحسابهم على الله".
فوجْهُ الاستدلال به من وجهين:
أحدهما: أنَّه أمر بقتالهم إلى أنْ يقيموا الصَّلاة٢.
الثَّاني: قوله: "إلَّا بحقِّها"٣، والصَّلاة من أعظم حقِّها.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أُمِرْت أنْ أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزكاة، ثم قد حرمت عليَّ دماؤهم وأموالهم، وحسابهم على الله". رواه الإمام أحمد٤، وابن خزيمة في "صحيحه"٥.
(١) البخاري (٢٥)، مسلم (٢٢). وهذا لفظ البخاري.
(٢) س زيادة: "ويؤتوا الزَّكاة".
(٣) "الثاني .. بحقِّها" ليست في ض. وفي س: "الثَّاني: أنَّه علَّق عِصْمة الدَّم بالقيام بحقِّ الشهادة .. ". وقول المصنِّف: "قوله: إلَّا بحقها" هي رواية مسلم.
(٤) المسند (٢/ ٣٤٥).
(٥) حديث (٢٢٤٨).
فأخبر ﷺ١ أنَّه أُمِر بقتالهم إلى أنْ يقيموا الصَّلاة، وأنَّ دماءهم وأموالهم إنَّما تحرم بعد الشَّهادتين، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة؛ فدماؤُهم وأموالُهم قبل ذلك غير محرَّمة؛ بل هي مباحة.
وعن أنس بن مالكٍ ﵁ قال: لمَّا توفِّي رسول الله ﷺ ارتدَّت٢ العرب، فقال عمرُ: يا أبا بكر، كيف تقاتل العرب؟ فقال
أبو بكرٍ٣: إنَّما قال رسول الله ﷺ: "أُمِرْتُ أنْ أقاتل النَّاس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلَّا الله، وأنِّي رسول الله، ويقيموا الصَّلاة، ويؤتوا الزكاة". رواه النسائي٤، وهو حديثٌ صحيحٌ.
وتقييد هذه الأحاديث يبيِّن مقتضى الحديث المطلق الذي احتجُّوا به على ترك القتل، مع أنَّه حجَّةٌ عليهم؛ فإنَّه لم يُثْبِت العِصْمة للدَّم والمال إلَّا بحقِّ الإسلام، والصلاة آكد حقوقه على الإطلاق.
وأمَّا حديث ابن مسعود، وهو: "لا يحلُّ دم امريءٍ مسلمٍ إلَّا
(١) ض: "فأخبر رسول الله ﷺ"، س: "فأخبر أنَّه".
(٢) ط: "ارتدَّ".
(٣) "أبوبكر" ليست في س.
(٤) حديث (٣٠٩٤). وأخرجه ابن خزيمة (٢٢٤٧)، والحاكم (١/ ٥٤٤)، وغيرهم، من طريق معمر عن الزهري عن أنس ﵁ به. وقد صحَّحه ابن خزيمة والحاكم.