والفرق بين قتل هذا حَدًّا١ وقتل الزَّاني والمحارب: أنَّ قتل تارك الصلاة إنَّما هو على إصْرَاره٢ على التَّرْك في المستقبل، وعلى التَّرْك في٣ الماضي.
بخلاف المقتول في الحدِّ؛ فإنَّ سبب قتله الجناية المتقدِّمة على الحدِّ؛ لأنَّه لم يبق له سبيل إلى تداركها٤، وهذا له سبيل إلى الاستدراك بفعلها بعد خروج وقتها عند الأئمة الأربعة وغيرهم.
ومن يقول من أصحاب أحمد: لا سبيل له إلى الاستدراك - كما هو قول طائفةٍ من السَّلف - يقول: القتل ههنا على تركٍ، فيزول التَّرك بالفعل، وأمَّا الزِّنا والمحاربة٥ فالقتل فيهما على فِعلٍ، والفعل الذي مضى لا يزول بالتَّرك.
فصْلٌ
المسْألة الثَّانية: أنَّه لا يقتل حتى يُدْعَى إلى فعلها، فيمتنع.
فالدُّعاء إليها شرطٌ في قتله؛ فإنَّه قد يتركها لعذرٍ، أو ما ظنَّه عذرًا،
(١) "حدًّا" ليس في ض.
(٢) ض: "إقراره".
(٣) "في" سقطت من هـ وط.
(٤) هـ: "تركها".
(٥) ض وس: "والحراب"، وفي هـ بياض.
والكسل١ لا يستمرُّ؛ ولذلك أذن النَّبيُّ ﷺ في الصلاة نافلةً خلف الأمراء الذين يؤخِّرُون الصلاة حتى يخرج الوقت، ولم يأمر بقتالهم، ولم يأذن في قتلهم؛ لأنَّهم لم يصرُّوا على التَّرك. فإذا دُعِي فامتنع - لا من عذرٍ - حتى يخرج الوقت تحقَّق تركه وإصراره.
فصْلٌ
المسْألة الثَّالثة: بماذا يُقْتل؟ هل بترك صلاةٍ، أو صلاتين، أو ثلاث صلوات؟ هذا فيه خلافٌ بين الناس.
فقال سفيان الثوري، ومالك٢، وأحمد - في إحدى الرِّوايات٣ ـ: يقتل بترك صلاةٍ واحدةٍ. وهو ظاهر مذهب الشَّافعي٤، وأحمد٥.
وحُجَّة هذا القول: ما تقدَّم من الأحاديث الدَّالة على قتل تارك الصَّلاة. وقد روى معاذ بن جبل ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ تَرَك صلاةً مكتوبةً متعمِّدًا فقد بَرِئت منه ذِمَّةُ الله". رواه الإمام أحمد
(١) "شرطٌ في .. والكسل" ليس في هـ وط.
(٢) يُنْظَر: النَّوادر والزيادات لابن أبي زيد القيراوني (١/ ١٥٠).
(٣) هي رواية أبي طالبٍ، كما في المسائل الفقهيَّة من كتاب الروايتين (١/ ١٩٥).
(٤) كما في: الأم (٢/ ٥٦٣ - ٥٦٤)، وهو قول جمهور أصحابه كما في الحاوي للماوردي (٢/ ٥٢٧)، وينظر: المجموع للنووي (٣/ ١٧).
(٥) وهو المذهب عند الحنابلة، وعليه جمهورهم، كما في الإنصاف للمرداوي (٣/ ٢٨).