قال أبو البركات ابن تيمية: والتَّسوية أصحُّ، وإلحاق التارك ههنا بأهل الأعذار في الوقت لا يصحُّ، كما لم يصحَّ إلحاقه بهم في أصل التَّرك.
قلتُ: وقول أبي إسحاق أقوى وأفْقَهُ؛ لأنَّه قد ثبت أنَّ هذا الوقت للصَّلاتين في الجملة؛ فأورث ذلك شبهةً في إسقاط القتل٢.
ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ منع مِنْ٣ قتال الأمراء المؤخِّرين الصَّلاةَ عن وقتها. وإنَّما كانوا يؤخِّرون الظهر إلى وقت العصر، وقد يؤخِّرون العصر إلى آخر وقتها. ولمَّا قيل له: ألَا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صلوا"٤. فدلَّ على أنَّ ما فعلوه صلاة يعصِمون بها دماءَهم.
(١) وقد أسند ابن نصر في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٩٢٨) عن وكيع بن الجرَّاح نحو ما حكاه عنه إسحاق. وفيه أيضًا (٢/ ٩٢٨): عن وكيع في الرجل يحضُرُه وقت صلاةٍ فيُقَال له: صلِّ فلا يصلِّي؟ قال: "يُؤْمَر بالصَّلاة، ويستتاب ثلاث صلواتٍ، فإنْ صلَّى وإلَّا قُتِل". وأمَّا ابن المبارك فأسند عنه (٢/ ٩٢٦) قوله: "من ترك الصلاة متعمِّدًا، لغير علَّةٍ حتى أدخل وقتًا في وقت فهو كافر".
(٢) واستحسنه ابن قدامة في المغني (٣/ ٥٤٣).
(٣) ض وهـ وط: "قتل".
(٤) تقدَّم تخريجه (ص/١١).
فصْلٌ
وعلى هذا فمتى دُعِي إلى الصَّلاة في وقتها، فقال: لا أُصَلِّي، وامتنع حتى فاتت وجب قتله، وإنْ لم يتضيَّق وقت الثَّانية. نصَّ عليه الإمام أحمد١.
وقال القاضي وأصحابه، كأبي الخطَّاب وابن عقيل: لا يُقْتَل حتى يتضايق وقت التي بعدها٢.
قال الشيخ أبو البركات: من دُعِي إلى صلاةٍ في وقتها، فقال: لا أصلِّي، وامتنع حتى فاتت وجب قتلُه، وإنْ لم يتضيَّق وقت الثَّانية، نصَّ عليه. قال: وإنَّما اعتبرنا تضايق وقت الثانية في المثال الذي ذكره - يعني: أبا الخطَّاب - لأنَّ القتل بتركها دون الأولى؛ لأنَّه لمَّا دُعِي إليها كانت فائتةً، والفوائت لا يقتل تاركها.
ولفظ أبي الخطَّاب الذي أشار إليه: فإن أخَّر٣ الصَّلاة حتى خرج وقتها جاحدًا لوجوبها كَفَر، ووجب قتله.
فإنْ أخَّرها٤ تهاونًا - لا جُحودًا لوجوبها - دُعِيَ إلى فِعلها، فإنْ لم