لا ينفي صلاة العيد؛ فإنَّ الصَّلوات الخمس وظيفة اليوم واللَّيلة، وأمَّا العيد فوظيفة العام. ولذلك لم يمنع ذلك من وجوب ركعتي الطَّواف عند كثير من الفقهاء أنَّها١ ليست من وظائف اليوم والليلة المتكرِّرة. ولم يمنع وجوب صلاة الجنازة. ولم يمنع من وجوب سجود التِّلاوة عند من أوجبه وجعله صلاةً. ولم يمنع من وجوب صلاة الكسوف عند من أوجبها من السَّلف. وهو قولٌ قويٌّ جدًّا.
والمقصود: أنَّ الشَّافعي رحمه الله تعالى نصَّ على أنَّ من وَجَبَت٢ عليه الجمعة وجب عليه العيد. ولكن قد يُقال: إنَّ هذا لا يُستفاد منه وجوبه على الأعيان؛ فإنَّ فرض الكفاية يجب على الجميع، ويسقط بفعل البعض. وفائدة ذلك تظهر في مسألتين٣:
إحداهما٤: أنَّه لو اشترك الجميع في فعله أُثِيبوا ثواب من أدَّى الواجب؛ لتعلُّق الوجوب بهم.
الثَّانية: لو اشتركوا في تركه استحقَّ الجميع الذَّم والعقاب.
فلا يلزم من قوله: "تجب صلاة العيد على مَنْ تجب عليه صلاة
(١) ض وس: "لأنَّها".
(٢) س: "وجب".
(٣) ط: "المسألتين".
(٤) ط وس: "أحدهما".
الجمعة" أنْ تكون واجبةً على الأعيان - كالجمعة ـ، فهذا يمكن أنْ يُقال؛ ولكن ظاهر تشبيهه العيد بالجمعة، والتَّسوية بين مَن تجب عليه الجمعة ومن يجب عليه العيد يدلُّ على استوائهما في الوجوب، ولا يختلف قوله إنَّ الجمعة واجبة على الأعيان، فكذا العيد.
والمقصود بيان حكم تارك الجمعة.
قال أبوعبد الله ابن حامد: ومَنْ جحد وجوب الجمعة كفر. فإنْ صلَّاها ظهرًا أربعًا١ مع اعتقاد وجوبها - قال: - فإنْ قلنا: هي ظهرٌ مقصورةٌ لم يكفر، وإلَّا كفر٢.
وهل يلحق تارك الصَّوم والحج والزَّكاة بتارك الصلاة في وجوب قتله؟ فيه ثلاث رواياتٍ عن الإمام أحمد٣.
إحداها: يُقْتَل بترك ذلك كلِّه، كما يُقْتَل بترك الصلاة.
وحُجَّة هذه الرِّواية: أنَّ الزَّكاة والصِّيام والحج من مباني الإسلام، فيقتل بتركها جميعًا كالصلاة؛ ولهذا قاتل الصِّدِّيق مانعي الزكاة، وقال: "والله لأقاتِلَنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، إنَّها لقرينتها في كتاب الله"٤.
(١) هـ وط: "صلَّاها أربعًا".
(٢) المبدع لابن مفلح (١/ ٣٠٨).
(٣) الإنصاف للمرداوي (٣/ ٣٤).
(٤) أخرجه البخاري (١٣٩٩)، ومسلم (٢٠)، من حديث أبي هريرة ﵁.