الصلاة

المبارك أخبرنا هشيم١ بن بشير قال: أخبرني زكريا بن أبي مريم الخزاعي قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: "إنَّ ما بين شفير جهنَّم إلى قعرها مسيرة خمسين خريفًا، من حجرٍ يهوي، أو قال: صخرةٍ تهوي، عِظَمُها كعَشر عُشَرَاواتٍ٢، عِظَامٍ، سِمَانٍ"، فقال له مولى لعبد الرحمن بن خالد بن الوليد: هل تحت ذلك من شيءٍ يا أبا أمامة؟ قال: "نعم، غَيٌّ وأَثَام".

وقال أيوب بن بشير عن شُفَيِّ بن ماتِع٣ قال: "إنَّ في جهنَّم واديًا يُسَمَّى غيًّا، يسيل دمًا وقيْحًا٤، فهو لمن خُلِقَ له، قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم/٥٩] "٥.

فوجه الدلالة من الآية: أنَّ الله سبحانه جعل هذا المكان من النَّار

  1. (١) في جميع النسخ: "إبراهيم"، والتَّصحيح من: تعظيم قدر الصَّلاة.
  2. (٢) في هامش هـ: "النَّاقة العشر - بضمِّ العين وفتح الشين المعجمة - هي: التي مضى عليها من حملها عشرة أشهر، وهو المراد ههنا. وقيل: هي: التي في النُّوق كالنُّفساء في النِّساء. اهـ. مولانا العلَّامة عبد القادر بن أحمد حفظه الله".
    والعلَّامة عبد القادر المذكور هو: ابن أحمد بن عبد القادر، أحد كبار أعلام زمانه في العلم باليمن، وهو شيخ الشوكاني، توفي سنة ١٢٠٧ هـ، تنظر ترجمته الحافلة في البدر الطالع (٣٩٩ - ٤٠٦).
  3. (٣) ض وس: "مانع". تحريفٌ.
  4. (٤) س: "يسيل منه دم وقيح".
  5. (٥) أخرجه ابن نصر في تعظيم قدر الصَّلاة (٣٨) من طريق ثعلبة بن مسلم عن أيوب به.
58

لمن أضاع الصَّلاة واتَّبَع الشَّهوات، ولو كان مع عُصاة المسلمين لكانوا في الطَّبقة العُلْيا من طبقات النَّار، ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو في أسفلها؛ فإنَّ هذا ليس من أمكنة أهل الإسلام، بل من أمكنة الكُفَّار.

ومن الآية دليلٌ آخر: وهو قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ٥٩ إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم/٥٩ - ٦٠]. فلو كان مضيِّع الصَّلاة مؤمنًا لم يشترط في توبته الإيمان؛ فإنَّه يكون تحصيلًا للحاصل.

الدَّليل السَّادس: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة/١١]. فعلَّق أخوَّتَهم للمؤمنين بفعل الصَّلاة، فإذا لم يفعلوها لم يكونوا إخوة للمؤمنين، فلا يكونوا١ مؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات/١٠].

الدَّليل السَّابع: قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى ٣١ وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة/٣١ - ٣٢]. فلمَّا كان الإسلام تصْديق الخبر والانقياد للأمر جعل سبحانه له ضِدَّين؛ عدم التَّصْديق، وعدم الصَّلاة. وقابَلَ التَّصْديقَ بالتَّكذيب، والصَّلاة بالتَّوَلِّي، فقال: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [القيامة/٣٢].

فكما أنَّ المكذِّب كافرٌ فالمتولِّي عن الصَّلاة كافرٌ، وكما يزول الإسلام بالتَّكذيب يزول بالتولِّي عن الصَّلاة.

  1. (١) هـ: "يكونون".
59

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي