فها هنا نوعان من الفقه، لا بد للحاكم منهما: فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس، يميز به١ بين الصادق والكاذب، والمحق والمبطل٢. ثم يطابق بين هذا وهذا، فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفًا للواقع.
ومن له ذوق في الشريعة، واطلاع على كمالها٣ وتضمنها٤ لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، ومجيئها بغاية العدل الذي يسع الخلائق، وأنه لا عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح: تبين له٥ أن السياسة العادلة جزء من أجزائها، وفرع من فروعها، وأن مَن أحاط علمًا٦ بمقاصدها ووضعها مواضعها٧ وحَسُنَ فهمه فيها: لم يحتج معها إلى٨ سياسة غيرها ألبتة.
فإن السياسة٩ نوعان١٠: سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها،
وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي١ من الشريعة، عَلِمَها من عَلِمها، وجهلها من جهلها.
ولا تنس في هذا الموضع قول سليمان نبي الله ﷺ للمرأتين اللتين ادعتا الولد. فحكم به داود ﷺ للكبرى، فقال سليمان: "ائتُونِي بالسِّكّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا". فسمحت الكبرى بذلك، فقالت الصغرى: لا تَفْعَل يَرْحَمكَ الله، هُوَ ابْنُهَا "فَقَضى بهِ لِلصُّغْرَى"٢، فأي شيء أحسن من اعتبار هذه القرينة الظاهرة! فاستدل برضا الكبرى بذلك، وأنها قصدت الاسترواح إلى التأسّي بمساواة الصغرى في فقد ولدها، وبشفقة٣ الصغرى عليه، وامتناعها من الرضا بذلك٤: على أنها هي أمه٥، وأن الحامل لها على الامتناع هو٦ ما قام بقلبها من الرحمة والشفقة التي وضعها الله تعالى في قلب الأم، وقويت هذه القرينة عنده، حتى قدمها على إقرارها، فإنه حكم به لها مع٧ قولها "هو
= إعلام الموقعين (٤/ ٣٧٢).
(١) في "أ" و"جـ": "بعين الشريعة".
(٢) أخرجه البخاري رقم (٦٧٦٩) كتاب الفرائض، باب إذا ادعت المرأة ابنًا، ومسلم (١٧٢٠) في الأقضية، باب بيان اختلاف المجتهدين، من حديث أبي هريرة ﵁.