وهذا هو الحق١، فإن الإقرار إذا كان لعلة اطلع عليها الحاكم لم يلتفت إليه أبدًا٢. ولذلك ألغينا إقرار المريض مرض٣ الموت بمال لوارثه؛ لانعقاد سبب التهمة، واعتمادًا على قرينة الحال في قصده تخصيصه.
ومن تراجم قضاة السنة والحديث على هذا الحديث ترجمة أبي عبد الرحمن النسائي في "سننه"٤ قال: "التوسعة للحاكم في أن يقول للشيء الذي لا يفعله: أفعل كذا، ليستبين به الحق".
ثم ترجم عليه ترجمة أخرى أحسن من هذه، فقال: "الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه، إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به"٥ فهكذا يكون الفهم عن الله ورسوله.
ثم ترجم عليه ترجمة أخرى فقال: "نقض الحاكم ما حكم به غيره ممن هو مثله، أو أجل منه"٦. فهذه ثلاث قواعد.
(١) انظر للمؤلف: بدائع الفوائد (٢/ ٣٠٥) طبعة البيان، وإغاثة اللهفان (٢/ ٤٨٩)، وزاد المعاد (٣/ ١٤٦)، وعدة الصابرين (٢٧٠). وانظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٣٥١)، غذاء الألباب (١/ ١٣٩)، معالم القربة في طلب الحسبة (٢٢٠).
(٢) قوله "أبدًا" مثبت في "هـ".
(٣) وفي "ب": "المريض في مرض".
(٤) المجتبى (٨/ ٢٣٦)، والسنن الكبرى (٣/ ٤٧٢).
(٥) السنن الكبرى (٣/ ٤٧٣).
(٦) المجتبى (٨/ ٢٣٦)، والسنن الكبرى (٣/ ٤٧٣).
ورابعة: وهي ما نحن فيه، وهي الحكم بالقرائن وشواهد الحال.
وخامسة: وهي أنه لم يجعل الولد لهما، كما يقوله أبو حنيفة١.
فهذه خمس سنن في هذا الحديث.
ومن ذلك: قول الشاهد الذي ذكر الله شهادته، ولم ينكر٢ عليه، بل لم يعبه٣ بل حكاها مقررًا لها، فقال تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٢٥ قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ٢٦ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ٢٧ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ٢٨﴾[يوسف: ٢٥ - ٢٨] فتوصل بقدِّ القميص إلى معرفة٤ الصادق منهما من الكاذب. وهذا لَوث٥ في أحد المتنازعين، يبين به أولاهما بالحق٦.
وقد ذكر الله سبحانه اللوث في دعوى المال في قصة شهادة أهل
(١) انظر: المبسوط (١٧/ ٧١)، بدائع الصنائع (٦/ ٢٤٤)، البحر الرائق (٤/ ٢٤٤). وسيأتي كلام المصنف في ذلك في الطريق السادس والعشرين. انظر: زاد المعاد (٥/ ٤٢٣)، وإعلام الموقعين (١/ ٣٥٥).
(٢) في "جـ": "ينكرها".
(٣) وفي "ب" "هـ": "ولم".
(٤) وفي "جـ": "تمييز".
(٥) وفي "ب": "من اللوث".
(٦) وفي "جـ": "يبين به وجه الحق". وانظر: تفسير الطبري (٧/ ١٩٤)، الأحكام للمالقي (١٩٠)، زاد المعاد (٣/ ١٤٩).