ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول ﷺ وإن نافت ما فهموه من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك: نوع تقصير في معرفة الشريعة، وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر، فلما رأى ولاة الأمور ذلك، وأن الناس لا يستقيم لهم أمرهم إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة، أحدثوا من أوضاع سياستهم شرًّا طويلًا، وفسادًا عريضًا، فتفاقم الأمر، وتعذر استدراكه، وعَزّ على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك، واستنقاذها من تلك المهالك.
وأفرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة، فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلا الطائفتين أتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، وأنزل به كتبه، فإن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه١، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة، فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق، أن مقصوده إقامةُ العدل بين عباده، وقيامُ الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، وليست مخالفة له.
فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعًا
(١) قوله "فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه" ساقط من "ب".
لمصطلحهم١، وإنما هي عدل الله ورسوله، ظهر بهذه الأمارات والعلامات. فقد حبس رسول الله ﷺ في تهمة٢، وعاقب في تهمة٣، لما ظهرت أمارات الريبة على المتهم، فمن٤ أطلق كل متهم وحلَّفه وخلى سبيله - مع علمه باشتهاره بالفساد في الأرض، وكثرة سرقاته، وقال: لا آخذه إلا بشاهدي عدل - فقوله مخالف للسياسة الشرعية.
وقد منع النبي ﷺ الغال٥ من الغنيمة سهمه، وحرق متاعه هو وخلفاؤه من بعده٦.
(١) في "ب" و"جـ": "لمصطلحكم".
(٢) رواه عبد الرزاق (٨/ ٣٠٦)، وأحمد (٥/ ٢)، وأبو داود (١٠/ ٥٨) رقم (٣٦١٣) مع العون، وابن الجارود في المنتقى (٣/ ٢٥٦) رقم (١٠٠٣)، والترمذي (٣/ ٨٥) رقم (١٤١٧)، والنسائي في الكبرى (٤/ ٣٢٨) رقم (٧٣٦٢)، وفي السنن (٨/ ٦٧) رقم (٤٨٧٥) ورقم (٤٨٧٦)، والحاكم (٤/ ١٠٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٨٨) من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. وحديث بهز حسنه الترمذي، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي، قال ابن القيم: "قال أحمد وعلي بن المديني: هذا إسناد صحيح". زاد المعاد (٥/ ٥). وحسنه الألباني في تخريجه للمشكاة (٢/ ١١١٦).
(٣) انظر: زاد المعاد (٥/ ٥٦) وذكره المؤلف. وهو أن النبي ﷺ أمر بقتل الذي كان يتهم بأم ولده. رواه مسلم من حديث أنس ﵁ رقم (٢٧٧١).
(٤) وفي "ب": "ثم".
(٥) الغال: هو الخائن الذي يخفي شيئًا من الغنائم. طلبة الطلبة (١٤٥)، النظم المستعذب (٢/ ٢٨٣)، المصباح المنير (٤٥٢)، غريب الحديث لابن قتيبة (١/ ٤٥).
(٦) رواه أبو داود (٧/ ٣٨٣) رقم (٢٦٩٨) بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه. قال أبو =