يضف ذلك إلى رأيه ورأي عمر، ولم يقل: "إني رأيت أن يُبَعْن".
فصل
ومن ذلك: اختياره للناس الإفراد بالحج، ليعتمروا في غير أشهر الحج، فلا يزال البيت الحرام مقصودًا١، فظن بعض الناس أنه نهى عن المتعة، وأنه أوجب الإفراد. وتنازع في ذلك ابن عباس وابن٢ الزبير٣، وأكثر الناس على ابن عباس في ذلك، وهو يحتج عليهم بالأحاديث الصحيحة الصريحة. فلما أكثروا عليه في ذلك قال: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ أقول لكم: قال رسول الله ﷺ. وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟! "٤ وكذلك ابنه عبد الله كانوا إذا
(١) رواه مسلم (٨/ ٤١٨) رقم (١٢١٧)، وأبو عوانة (٢/ ٣٤٣) رقم (٣٣٦٥).
(٢) في "أ": "عبد الله بن الزبير".
(٣) رواه مسلم (٨/ ٤١٨) رقم (١٢١٧)، وأبو عوانة (٢/ ٣٤٥) رقم (٣٣٧٤).
(٤) لم أجده بهذا اللفظ، ولكن روى أحمد (١/ ٣٣٧)، والضياء في المختارة (١٠/ ٣٣١) رقم (٣٥٧)، والخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٣٧٧) رقم (٣٧٩)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/ ١٢١٠) رقم (٢٣٨١) نحوه ولفظه: "أراهم سيهلكون أقول: قال النبي ﷺ ويقولون: نهى أبو بكر وعمر". وحسنه ابن مفلح في الآداب الشرعية (٢/ ٧٠). كما رواه الخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٣٧٧) رقم (٣٨٠)، بلفظ: "والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله نحدثكم عن رسول الله ﷺ وتحدثونا عن أبي بكر وعمر". انظر: جامع بيان العلم لابن عبد البر (٢/ ١٢٠٩) رقم (٢٣٧٧).
احتجوا عليه بأبيه يقول: "إن عمر لم يرد ما تقولون" فإذا أكثروا عليه قال: "أفرسول الله ﷺ أحق أن تتبعوا١، أم عمر؟ "٢.
والمقصود: أن هذا وأمثاله سياسة جزئية بحسب المصلحة، يختلف باختلاف الأزمنة، فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة، ولكلٍّ عذرٌ وأجرٌ. ومن اجتهد في طاعة الله ورسوله فهو دائر بين الأجر والأجرين.
وهذه السياسة التي ساسوا بها الأمة وأضعافها هي من تأويل القرآن والسنة. ولكن: هل هي من الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة، أم من السياسات الجزئية التابعة للمصالح، فيتقيد بها زمانًا ومكانًا؟
ومن ذلك: جمع عثمان ﵁ الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة٣ التي أطلق لهم رسول الله ﷺ القراءة بها، لما كان ذلك مصلحة. فلما خاف الصحابة ﵃ على الأمة
(١) في "جـ": "أن يتبع".
(٢) رواه أحمد (٢/ ٩٥)، والترمذي (٢/ ١٧٥) رقم (٨٢٤)، وأبو يعلى (٩/ ٣٤١) رقم (٥٤٥١) ورقم (٥٥٦٣)، وأبو عوانة (٢/ ٣٤٣) رقم (٣٣٦٦)، والبيهقي (٥/ ٣٠) رقم (٨٨٧٦). وصححه النووي في المجموع (٧/ ٣٥).
(٣) رواه البخاري (٨/ ٦٢٧) رقم (٤٩٨٧) مع الفتح. اختلف أهل العلم في معنى الأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولًا. وجمهور العلماء على أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتفقة بالألفاظ المختلفة. نحو: أقبل وهلم، وعجل وأسرع، وأنظر وأخِّر وأمهل. انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (٢/ ١٤٠)، البرهان في علوم القرآن للزركشي (١/ ٢١٣)، فضائل القرآن لأبي عبيد (٢/ ١٦٣)، تفسير ابن جرير (١/ ٥٣)، مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٩٠).