فكيف يقدم هذا الظن الضعيف على ذلك العلم الذي يكاد بل١ يبلغ القطع؟ فإن هذه الزوجة لم يكن ينزل عليها رزقها من السماء، كما كان ينزل على مريم بنت عمران٢، ولم تكن تُشاهد تخرج من منزلها تأتي بطعام وشراب، والزوج يشاهد٣ في كل وقت داخلًا عليها بالطعام والشراب، فكيف يقال: "القول قولها" ويقدم ظن الاستصحاب على هذا العلم اليقيني؟
ومن ذلك: أن صاحب المنزل إذا قدم الطعام إلى الضيف ووضعه بين يديه، جاز له٤ الإقدام على الأكل، وإن لم يأذن له لفظًا؛ اعتبارًا بدلالة الحال الجارية مجرى القطع٥.
ومن ذلك: إذن النبي ﷺ للمار بثمر الغير أن يأكل من ثمره ولا
= المعتمد (٢/ ٣٢٥)، المحصول لابن العربي (١٣٠)، نفائس الأصول (٩/ ٤٠٢١)، البرهان (٢/ ٧٣٥)، سلاسل الذهب (٤٢٥)، العدة في أصول الفقه (٤/ ١٢٦٢)، التمهيد في أصول الفقه (٤/ ٢٥١)، شرح مختصر الروضة (٣/ ١٤٧)، شرح الكوكب المنير (٤/ ٤٠٣).
(٣) قوله "تخرج من منزلها تأتي بطعام وشراب والزوج يشاهد" ساقطة من "ب".
(٤) "له" ساقطة من "جـ".
(٥) انظر: قواعد الأحكام (٢/ ١١١)، تبصرة الحكام (٢/ ١٢٢)، معين الحكام (١٦٦)، إعلام الموقعين (٤/ ٤٥٩).
يحمل١؛ اكتفاء بشاهد الحال، حيث لم يجعل عليه حائطًا ولا ناطورًا٢.
ومن ذلك: جواز قضاء الحاجة في الأقرحة والمزارع التي على الطرقات بحيث لا ينقطع منها المارة. وكذلك الصلاة فيها، ولا يكون ذلك غصبًا لها ولا تصرفًا ممنوعًا٣.
ومن ذلك: الشرب من المصانع الموضوعة على الطرقات، وإن لم يعلم الشارب إذن أربابها في ذلك لفظًا، اعتمادًا على دلالة الحال، ولكن لا يتوضأ منها؛ لأن العرف لا يقتضيه، ودلالة الحال لا تدل عليه، إلا أن يكون هناك شاهد حال يقتضي ذلك فلا بأس بالوضوء حينئذٍ٤.
(١) كما في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: "ما أصاب من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه" رواه النسائي في المجتبى (٨/ ٨٥) رقم (٤٩٥٨)، وأحمد (٢/ ١٨٠)، والترمذي (٢/ ٥٦٣) وقال: "هذا حديث حسن"، وأبو داود (٥/ ١٣٢) رقم (١٦٩٤)، وابن ماجه (٤/ ١٩٦) رقم (٢٥٩٦)، والبغوي في شرح السنة (٨/ ٣١٨) رقم (٢٢١١). والحديث حسنه الترمذي كما سبق، وحسنه كذلك ابن القيم في تهذيب السنن (٧/ ٢٨٢) "مع العون"، والألباني في صحيح ابن ماجه (٢/ ٨٨) رقم (٢١٠٤).
(٢) انظر: تبصرة الحكام (٢/ ١٢٢)، معين الحكام (١٦٦)، المغني (١٣/ ٣٣٣)، الكافي (٢/ ٥٣٧)، الشرح الكبير والإنصاف (٢٧/ ٢٥٥)، قواعد ابن رجب (٢/ ٥٣)، المبدع (٩/ ٢٠٩)، شرح منتهى الإرادات (٣/ ٤١٥).
(٣) انظر: تبصرة الحكام (٢/ ١٢٢)، معين الحكام (١٦٦).
(٤) انظر: تبصرة الحكام (٢/ ١٢٢)، معين الحكام (١٦٦).