ومن ذلك: أنهم قالوا: يقبل قول الوصيَّ فيما ينفقه على اليتيم إذا ادعى ما يقتضيه العرف، فإذا ادعى أكثر من ذلك لم يقبل قوله١.
وهكذا سائر من قلنا "القول٢ قوله" إنما يقبل قوله إذا لم يكذبه شاهد الحال، فإن كذبه لم يقبل قوله، ولهذا يكذب المودع والمستأجر، إذا ادعيا أن الوديعة٣ أو العين المستأجرة هلكت في الحريق، أو تحت الهدم، أو في نهب العيارين٤ ونحوهم، لم يقبل قولهم إلا إذا تحققنا وجود هذه الأسباب٥، فأما إذا علمنا انتفاءها فإنا
(٣) الوديعة: أمانة تركت عند الغير قصدًا. التعريفات للجرجاني (٣٢٥)، والحدود لمصنفك (٩٢)، وأنيس الفقهاء (٢٤٨).
(٤) العيار: هو كثير التطواف والحركة. المصباح المنير (٤٤٠)، مختار الصحاح (٤٦٤). وقيل: العيار من الرجال الذي يخلي نفسه وهواها لا يَرْعُها ولا يزجرها. المصباح المنير (٤٤٠).
نجزم بكذبهم، ولا يقبل قولهم. وهذا من أقوى الأدلة على أن القول قول الزوج في النفقة والكسوة لما مضى من الزمان؛ لعلمنا بكذب الزوجة في الإنكار، وكون الأصل معها مثل كون الأصل قبول قول الأمناء، إلا حيث يكذبهم الظاهر.
ومن ذلك: أنهم قالوا في تداعي العيب: هل كان١ عند البائع أو حدث عند المشتري؟ أن القول قول من يدل الحال على صدقه٢. فإن احتملت٣ الحال صدقهما ففيها قولان، أظهرهما: أن القول قول البائع٤؛ لأن المشتري يدعي ما يسوّغ فسخ العقد بعد تمامه ولزومه، والبائع ينكره.
ومن ذلك: أن مالكًا وأصحابه منعوا سماع الدعوى التي لا تشبه الصدق، ولم يحلّفوا لها المدعى عليه٥؛ نظرًا إلى الأمارات والقرائن