الناس مالًا، ثم رجع فطلبه فجحده، فأتى إياسًا فأخبره. فقال له إياس: انصرف فاكتم أمرك، ولا تعلمه أنك أتيتني، ثم عُد إليَّ بعد يومين. فدعا إياس المُودعَ، فقال: قد حضر مال كثير، وأريد أن أسلمه إليك، أفحصين منزلك؟ قال: نعم. قال: فأَعِدَّ له موضعًا وحمالين. وعاد الرجل إلى إياس، فقال له انطلق إلى صاحبك فاطلب المال. فإن أعطاك فذاك، وإن جحدك فقل له: إني أخبر القاضي١. فأتى الرجل صاحبه فقال: مالي، وإلا أتيت القاضي، وشكوت إليه، وأخبرته بأمري. فدفع إليه ماله. فرجع الرجل إلى إياس، فقال: قد أعطاني المال. وجاء الأمين إلى إياس لموعده٢، فزبره٣ وانتهره، وقال: لا تقربني يا خائن٤.
وقال يزيد بن هارون٥﵀: تقلد القضاء بواسط رجل ثقة، فأودع رجل بعض شهوده كيسًا مختومًا، وذكر أن فيه ألف دينار. فلما طالت غيبة الرجل فتق الشاهد الكيس من أسفله وأخذ الدنانير،
(١) وفي "ب" زيادة: "وشكوت إليه وأخبرته".
(٢) وفي "أ" و"ب" و"هـ": "لوعده".
(٣) الزبر: "الزجر والانتهار". مختار الصحاح (٢٦٧).
(٤) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٢٨). وانظر: أخبار القضاة (١/ ٣٧١)، الأذكياء (٦٤)، تهذيب الكمال (٣/ ٤٢٦)، المستطرف (١/ ٣٨)، البداية والنهاية (١٣/ ١٢٤).
(٥) هو يزيد بن هارون بن زاذي أخو خالد السلمي الواسطي. توفي سنة ٢٠٦ هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: تهذيب الكمال (٣٢/ ٢٦١)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٣٥٨).
وجعل مكانها دراهم، وأعاد الخياطة كما كانت. وجاء صاحبه، فطلب وديعته، فدفع إليه الكيس بختمه لم يتغير، فلما فتحه وشاهد الحال رجع إليه، وقال: إني أودعتك دنانير، والذي١ دفعت إليَّ دراهم، فقال: هو كيسك بخاتمك فاستَعدى عليه القاضي، فأمر بإحضار المُودَع، فلما صارا بين يديه قال له القاضي: منذ كم أودعك هذا الكيس؟ فقال: منذ خمس عشرة سنة، فأخذ القاضي تلك الدراهم وقرأ سكتها، فإذا فيها ما قد ضرب٢ من سنتين وثلاث، فأمره بدفع٣ الدنانير إليه، وأسقطه ونادى عليه٤.
واستودع رجل لغيره٥ مالًا، فجحده، فرفعه إلى إياس، فسأله فأنكر، فقال للمدعي: أين دفعته٦ إليه؟ فقال: في مكان في البرية، فقال: وما كان هناك، قال: شجرة، قال: اذهب إليها فلعلك دفنت المال عندها ونسيت، فتذْكُر إذا رأيت الشجرة، فمضى، وقال للخصم: اجلس حتى يرجع صاحبك، وإياس يقضي وينظر إليه ساعة بعد ساعة. ثم قال له: يا هذا، أترى صاحبك بلغ مكان الشجرة؟ قال: لا، قال: يا عدو الله، إنك خائن، قال: أقلني، قال: أقالك الله، فأمر
(١) وفي "جـ": "والتي".
(٢) في "أ": "ضربت".
(٣) وفي "ب": "أن يدفع".
(٤) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٢٩). وانظر: أخبار القضاة (١/ ٣٤٢)، الأذكياء (٦٥)، تهذيب الكمال (٣/ ٤٢٥).