وكان لا يكذب. فقالت: على رسْلك، فوالله لأصدقن: إن عجوزًا كانت تدخل عليَّ فأتخذها أُمّا، وكانت تقوم من أمري كما تقوم به الوالدة. وكنت لها بمنزلة البنت، فمضى لذلك حين١، ثم إنها قالت: يا بنية، إنه قد عرض لي سفر، ولي ابنة في موضع أتخوَّف عليها فيه أن تضيع، وقد أحببت أن أضمها إليك حتى أرجع من سفري، فعمدت إلى ابن لها شاب أمرد، فهيأته كهيئة الجارية، وأتتني به، لا أشك أنه جارية، فكان يرى مني ما ترى الجارية من الجارية، حتى اغتفلني يومًا وأنا نائمة، فما شعرت حتى علاني وخالطني، فمددت يدي إلى٢ شِفْرة٣ كانت إلى جنبي فقتلته، ثم أمرت به فألقي حيث رأيت٤، فاشتملت منه على هذا الصبي، فلما وضعته ألقيته في موضع أبيه، فهذا والله خبرهما على ما أعلمتك. قال: صدقت، ثم أوصاها٥، ودعا لها وخرج. وقال لأبيها: نعم الابنة ابنتك، ثم انصرف٦.
(٦) قال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: "هذا أثر غريب، وفيه انقطاع بل معضل، وفيه فوائد كثيرة" ا. هـ. مسند الفاروق (٢/ ٤٥٦). وانظر: محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (١/ ٣٧٨)، مناقب عمر (٨٥).
وقال نافع عن ابن عمر: بينما عمر جالس إذْ رأى رجلًا١، فقال: "لست ذا رأي إن لم يكن هذا الرجل قد كان ينظر في الكهانة٢، ادعوه لي، فدعوه، فقال: هل كنت تنظر وتقول٣ في الكهانة شيئًا؟ قال: نعم"٤.
وقال مالك عن يحيى بن سعيد: أن عمر بن الخطاب قال لرجل٥: "ما اسمك؟ قال: جمرة. قال: ابن مَنْ؟ قال: ابن شهاب. قال: ممن؟ قال: من الحُرقة. قال: أين مسكنك؟ قال: بحَرَّة النار٦. قال: بأيها؟ قال: بذات لظَى. فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا"٧. فكان كما قال.
(١) وهو سواد بن قارب، كما جاء مصرحًا به في رواية الحاكم (٣/ ٦٠٨)، وأبي يعلى في معجمه (١/ ٢٦٣) رقم (٣٢٩). سكت عنه الحاكم، وقال الذهبي في تلخيص المستدرك (٣/ ٦٠٩): "الإسناد منقطع". وكذا قال ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٥٦٩). وقال الحافظ ابن حجر لما ذكر طرقه: "وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا" ا. هـ. الفتح (٧/ ٢١٧). وانظر: سبل الهدى والرشاد (٢/ ٢٠٧).
(٢) الكاهن: هو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار. النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٢١٤). وانظر: فتح المجيد (٢/ ٤٩٢)، تيسير العزيز الحميد (٤٠٩)، لسان العرب (١٣/ ٣٦٣).
(٣) قوله "وتقول" ساقط من "ب".
(٤) رواه البخاري (٧/ ٢١٥) رقم (٣٨٦٦)، ولم يذكر فيه اسم الرجل.
(٥) وهو جمرة بن شهاب بن ضرام الجهني مخضرم. الإصابة (١/ ٢٦٣)، شرح الزرقاني على الموطأ (٤/ ٣٨٢).
(٦) قرب المدينة وهي حرة لبني سليم. معجم البلدان (٢/ ٢٨٧).
(٧) رواه مالك (٢/ ٩٧٣)، ومن طريق مالك رواه ابن وهب في الجامع (١/ =