إياس بن معاوية اختصم إليه رجلان، فقال أحدهما: إنه باعني جارية رعْناء، فقال إياس: وما عسى أن تكون هذه١ الرعونة٢؟ قال: شبه الجنون. فقال إياس: يا جارية، أتذكرين متى ولدت؟ قالت: نعم. قال: فأي رجليك أطول؟ قالت: هذه. فقال إياس: ردها، فإنها مجنونة٣.
وقال أبو الحسن المدائني عن عبد الله بن مصعب٤: أن معاوية بن قُرَّة شهد عند ابنه إياس بن معاوية - مع رجال عدَّلهم٥ - على رجل بأربعة آلاف درهم، فقال المشهود عليه: يا أبا وائلة، تَثبَّت في أمري، فوالله ما أشهدتهم إلا بألفين. فسأل إياس أباه والشهود: أكان في الصحيفة التي شهدوا عليها فضل؟ قالوا: نعم، كان الكتاب في أولها والطينة٦ في وسطها، وباقي الصحيفة أبيض. قال: أفكان المشهود له يلقاكم أحيانًا، فيذكركم شهادتكم بأربعة آلاف
(١) "هذه" من "جـ".
(٢) الرعونة: الحمق والاسترخاء، وامرأة رعناء بينة الرعونة. مختار الصحاح (٢٤٨). والأرعن: الأهوج في منطقه الأحمق المسترخي. القاموس (١٥٤٩).
(٣) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١٠/ ٢٩)، وابن قتيبة في عيون الأخبار (١/ ١٤٢). وانظر: تهذيب الكمال (٣/ ٤٢٤)، البداية والنهاية (١٣/ ١٢٥).
(٤) عبد الله بن مصعب السلطي، كما في تهذيب الكمال (٣/ ٤٢٥). ولم أجد له ترجمة.
(٥) في أخبار القضاة (١/ ٣٦٩): "عدَّهم".
(٦) الطينة: ختم الكتاب. القاموس (١٥٦٦).
درهم١؟ قالوا: نعم، كان لا يزال يلقانا، فيقول: اذكروا٢ شهادتكم على فلان بأربعة آلاف درهم، فصرفهم، ودعا المشهود له. فقال: يا عدو الله، تغفلت قومًا صالحين مغفلين، فأشهدتهم على صحيفة جعلت طينتها٣ في وسطها، وتركت فيها بياضًا في أسفلها، فلما ختموا الطينة٤ قطعت الكتاب الذي فيه حقك ألفا درهم، وكتبت في البياض أربعة آلاف فصارت الطينة٥ في آخر الكتاب، ثم كنت تلقاهم فتلقنهم، وتذكرهم أنها أربعة آلاف، فأقر بذلك، وسأله الستر عليه٦. فحكم له بألفين وستر عليه٧.
وقال نعيم بن حماد عن إبراهيم بن مرزوق٨ البصري: كنا عند إياس بن معاوية، قبل أن يُستقضى، وكنا نكتب عنه الفراسة، كما نكتب عن المحدث الحديث، إذ جاء رجل، فجلس على دكان مرتفع بالمِرْبَد٩، فجعل يترصد الطريق، فبينما هو كذلك إذ نزل فاستقبل رجلًا، فنظر إلى وجهه، ثم رجع إلى موضعه، فقال إياس:
(١) "درهم" ساقط من "أ".
(٢) في "ب" و"هـ": "أذكركم".
(٣) في "ب" و"جـ": "طيها".
(٤) في "أ": "الطينة"، وفي باقي النسخ: "الطية".
(٥) في باقي النسخ عدا "أ": "وصارت الطية".
(٦) "عليه" من "أ".
(٧) رواه وكيع في أخبار القضاة (١/ ٣٦٩). وانظر: تهذيب الكمال (٣/ ٤٢٥).