وكان الصديق ﵁ يقول في سفر الهجرة لمن يسأله عن النبي ﷺ: من هذا بين يديك؟ فيقول: "هاد يدلني على الطريق"٣.
وكذلك الصحابة من بعده.
فروى زيد بن أسلم عن أبيه قال: قَدِمَتْ على عمر بن الخطاب ﵁ حُلل٤ من اليمن، فقسمها بين الناس، فرأى فيها حلةً رديئةً، فقال: كيف أصنع بهذه؟ إن أحدًا لم يقبلها، فطواها وجعلها تحت مجلسه، وأخرج طرفها، ووضع الحلل بين يديه، فجعل يقسم بين الناس. فدخل الزبير وهو على تلك الحال، فجعل ينظر إلى تلك الحلة، فقال: ما هذه الحلة؟ فقال عمر: دعها عنك، قال: ما شأنها؟ قال: دعها. قال: فأعطنيها. قال: إنك لا ترضاها، قال: بلى، قد
(١) التورية اصطلاحًا: أن يريد المتكلم بكلامه خلاف ظاهره. التعريفات (٩٧). وانظر: التوقيف (٢١٤)، عمدة القاري (١٢/ ٢٩)، جامع الأصول (٢/ ٥٧٦).
(٢) البخاري (٦/ ١٣١) رقم (٢٩٤٧) و(٢٩٤٨)، ومسلم (٢٧٦٩) (١٧/ ١٠٦) من حديث كعب بن مالك ﵁.
(٣) البخاري (٧/ ٢٩٣) رقم (٣٩١١) من حديث أنس ﵁.
(٤) الحلل: جمع حُلة وهي ثياب ذات خطوط ولا تكون إلا من ثوبين، وقال أبو عبيد: الحلل برود اليمن. انظر: النهاية (١/ ٤٣٢)، هدي الساري مقدمة فتح الباري (١١٣)، شرح السيوطي لسنن النسائي (٣/ ٩٦).
رضيتها. فلما توثق منه، واشترط عليه ألا يردها، رمى بها إليه، فلما نظر إليها إذا هي رديئة، قال: لا أريدها، قال عمر: أيهات١، قد فرغت منها. فأجازها عليه، ولم يقبلها٢.
قال عبد الله بن سَلَمَة: سمعت عليًّا يقول: "لا أغسل رأسي بغسل حتى آتي البصرة فأحرقها، وأسوق الناس بعصاي إلى مصر"٣، فأتيت أبا مسعود البدري، فأخبرته، فقال: "إن عليًّا يورد الأمور موارد لا تحسنون تصدرونها، عليٌّ لا يغسل رأسه بغسل، ولا يأتي البصرة، ولا يحرقها، ولا يسوق الناس عنها بعصاه، عليٌّ رجل أصلع إنما على رأسه مثل الطست إنما حوله شعرات"٤.
ومن ذلك تعريض عبد الله بن رواحة لامرأته بإنشاد شعر يوهم أنه يقرأ، ليتخلص من أذاها له حين واقع جاريته٥.
(١) بمعنى: هيهات. وفي "ب": "إيها".
(٢) الأذكياء (٢٣).
(٣) قوله "فأحرقها وأسوق الناس بعصاي إلى مصر" ساقطة من "ب".
(٤) رواه الخطيب في تاريخ بغداد (١/ ٢١٢) و(٩/ ٤٦٧). وانظر: الأذكياء لابن الجوزي (٢٤).
(٥) رواه الدارقطني (١/ ١٢٠)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (١/ ٢٥٩)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٠) بإسنادهم عن عكرمة عن ابن رواحة. قال ابن عبد الهادي ﵀: "رواه الدارقطني هكذا مرسلًا" ا. هـ. تنقيح التحقيق (١/ ١٣٩). ورواه موصولًا الدارقطني (١/ ١٢١)، والبيهقي في الخلافيات (٢/ ٣٢)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٨/ ١١٦) وفي إسنادهم زمعة بن صالح ضعفه أحمد ويحيى وأبو حاتم وغيرهم. تنقيح التحقيق (١٣٩). وله شواهد =