ومنها: فراسة المغيرة بن شعبة، وقد استعمله عمر على البحرين. فكرهه أهلها فعزله عمر، فخافوا أن يرده عليهم. فقال دهقانهم١: إن فعلتم ما آمركم به لم يرده علينا. قالوا: مُرْنا بأمرك. قال: تجمعون مائة ألف درهم، حتى أذهب بها إلى عمر، وأقول: إن المغيرة اختان٢ هذا، ودفعه إليَّ، فجمعوا ذلك. فأتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، إن المغيرة اختان هذا٣، فدفعه إليَّ. فدعا عمر المغيرة، فقال: ما يقول هذا٤؟ قال: كذب، أصلحك الله، إنما كانت مائتي ألف، فقال: ما حملك على ذلك؟ قال: العيال والحاجة. فقال عمر للدهقان: ما تقول؟ فقال: لا والله، لأصدقنك، والله ما دفع إليَّ قليلًا ولا كثيرًا. ولكن كرهناه وخشينا أن ترده إلينا، فقال عمر للمغيرة: ما حملك على هذا؟ قال: الخبيث كذب عليَّ فأردت أن أخزيه٥.
وخطب المغيرة بن شعبة وفتى من العرب امرأة، وكان الفتى
= العالية (٤/ ٤٠٣). والحديث أصله في صحيح مسلم ولكن بدون ذكر الشاهد. (١٧٨٨) (١٢/ ٣٨٧).
(١) الدَّهقان: بالكسر والضم. القوي على التصرف مع حدّة، والتاجر، وزعيم فلاحي المعجم، ورئيس الإقليم. معرّب. انظر: القاموس المحيط (١٥٤٦)، لسان العرب (١٣/ ١٦٣)، النهاية (٢/ ١٤٥).
(٢) خانه خيانة ومخانة واختانه فهو خائن: بأن يؤتمن فلا ينصح. القاموس (١٥٤١)، مختار الصحاح (١٩٣).
(٣) "هذا" ساقط من "أ".
(٤) في "جـ": "ما تقول في هذا".
(٥) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٠/ ٣٠ و٣١)، والبغوي كما في الإصابة (٣/ ٤٣٢). وانظر: الأذكياء (٢٩)، وسير أعلام النبلاء (٣/ ٢٦).
جميلًا، فأرسلت إليهما المرأة: لا بد أن أراكما، وأسمع كلامكما، فاحضرا إن شئتما. فأجلستهما بحيث تراهما، فعلم المغيرة أنها تؤثر عليه الفتى، فأقبل عليه، فقال: لقد أوتيت حسنًا وجمالًا وبيانًا١. فهل عندك سوى ذلك؟ قال: نعم. فعدد عليه محاسنه، ثم سكت. فقال المغيرة: فكيف حسابك؟ فقال: لا٢ يسقط عليّ منه شيء، وإني لأستدرك منه أقل من الخردلة، فقال له المغيرة: لكني أضع البَدْرَة٣ في زاوية البيت، فينفقها أهل بيتي على ما يريدون، فما أعلم بنفادها حتى يسألوني غيرها، فقالت المرأة: والله لهذا الشيخ الذي لا يحاسبني أحب إليَّ من الذي يحصي عليَّ أدنى٤ من الخردلة. فتزوجت المغيرة٥.
ومنها: فراسة عمرو بن العاص لما حاصر غزَّة٦، فبعث إليه صاحِبُها: أن أرسل إليَّ رجلًا من أصحابك أكلمه. ففكر عمرو بن العاص٧، وقال: ما لهذا الرجل غيري، فخرج حتى دخل عليه، فكلمه
(١) "وبيانًا" ساقطة من "ب" وفيها: "وشبابًا".
(٢) في "ب": "ما".
(٣) البدرة: كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم. القاموس (٤٤٤)، مختار الصحاح (٤٣). والبدرة: الطبق شُبه بالبدر لاستدارته. النهاية في غريب الحديث (١/ ١٠٦).
(٤) في "أ": "أدق".
(٥) رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٠/ ٥١). وانظر: الأذكياء (٢٩).
(٦) غزة: مدينة في أقصى الشام من ناحية مصر ولا زالت عامرة. معجم البلدان (٤/ ٢٩٩). وهي اليوم من مدن فلسطين.