كلامًا لم يسمع مثله١ قط. فقال له: حدثني، هل أحد من أصحابك مثلك؟ فقال: لا تسل، من هواني عندهم بعثوني إليك، وعرَّضوني لما عرضوني، ولا يدرون ما يصنع بي. فأمر له بجائزة٢ وكسوة، وبعث إلى البواب: إذا مرَّ بك فاضرب عنقه، وخذ ما معه. فمر برجل من نصارى غسان فعرفه، فقال: يا عمرو قد أحسنت الدخول، فأحسن الخروج. فرجع، فقال له الملك: ما ردك إلينا؟ قال: نظرت فيما أعطيتني فلم أجد ذلك يسع٣ بني عمي، فأردت الخروج، فآتيك بعشرة منهم تعطيهم هذه العطية فيكون معروفك عند عشرة رجال خيرًا من أن يكون عند واحد. قال: صدقت عجّل٤ بهم. وبعث إلى البواب: خلّ سبيله. فخرج عمرو وهو يلتفت، حتى إذا أَمِنَ قال: لا عدت لمثلها٥. فلما كان بعدُ رآه الملك، فقال: أنت هو؟ قال: نعم، على ما كان من غدرك٦.
ومن ذلك: فراسة الحسن بن علي ﵄ لما جيء إليه بابن مُلْجِم قال له: أريد أُسارّك بكلمة. فأبى الحسن، وقال: تريد أن تَعضَّ أذني. فقال ابن ملجم: والله لو أمكنتني منها لأخذتها من
(١) في "ب": "بمثله".
(٢) وفي "جـ": "بجارية".
(٣) في "جـ": "مع بني".
(٤) في "ب": "فعجل".
(٥) في "ب": "إلى مثلها".
(٦) روى نحوه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤٦/ ١٥٥). وانظر: الأذكياء (٣٠)، لطف التدبير (٢٠٨)، نثر الدر للآبي (٤/ ١٢٣).
صماخيها١.
قال أبو الوفاء ابن عقيل: فانظر إلى حسن رأي هذا السيد الذي قد نزل به من٢ المصيبة العاجلة ما يذهل٣ الخلق، وفطنته إلى هذا الحد، وإلى ذلك اللعين كيف لم يشغله حاله عن استزادة٤ الجناية٥.
ومن ذلك: فراسة أخيه الحسين ﵄: أن رجلًا ادعى عليه مالًا. فقال الحسين: ليحلف على ما ادعاه ويأخذه، فتهيأ الرجل لليمين، وقال: والله الذي لا إله إلا هو. فقال الحسين: قل: والله، والله، والله إن هذا الذي تدعيه عندي، وفي٦ قِبَلي. ففعل الرجل ذلك، وقام فاختلفت رجلاه وسقط ميتًا. فقيل للحسين: لم فعلت ذلك؟ أي عدلت عن قوله: والله الذي لا إله إلا هو إلى قوله: والله والله والله. فقال: كرهت أن يثني على الله، فيحلم عنه٧.
ومن ذلك: فراسة العباس ﵁ ما ذكره مجاهد قال: "بينما رسول الله ﷺ في أصحابه إذ وجد ريحًا. فقال: "ليقم صاحب هذه الريح فليتوضأ". فاستحيا الرجل، ثم
(١) في "أ": "صماخه"، وفي "ب" و"هـ": "صماخيه". وانظر: الأذكياء (٢٥).
(٢) "من" ساقطة من "أ".
(٣) في "ب": "ما ذهل".
(٤) في "جـ": "استرداده".
(٥) قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: "قرأت بخط أبي الوفاء ابن عقيل - فذكر القصة وقول ابن عقيل -". الأذكياء (٢٥).