قال١: "ليقم صاحب هذه فليتوضأ، فإن الله لا يستحي من الحق" فقال العباس: ألا نقوم كلنا نتوضأ؟ "٢ هكذا رواه الفريابي٣ عن الأوزاعي مرسلًا٤، ووصله عنه٥ محمد بن مصعب٦ القرقساني٧، فقال: عن مجاهد عن ابن عباس ﵄.
وقد جرت مثل هذه القصة في مجلس عمر ﵁. قال الشعبي: كان عمر ﵁ في بيت، ومعه جرير بن عبد الله البجلي، فوجد عمر ريحًا، فقال: عزمت على صاحب هذه الريح لما قام فتوضأ. فقال جرير: يا أمير المؤمنين، أو يتوضأ القوم جميعًا.
(١) قوله "ليقم صاحب .. " إلى "ثم قال" ساقط من "ب".
(٢) رواه عبد الرزاق (١/ ١٤٠) (٥٣١)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٦٢/ ٣٧٣).
(٣) هو محمد بن يوسف بن واقد الضبي أبو عبد الله الفريابي الإمام الحافظ، وثقه النسائي وأبو زرعة وغيرهما. توفي سنة ٢١٢ هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: تهذيب الكمال (٢٧/ ٥٢)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ١١٤). وفي "جـ": "الفرياني"، وفي "هـ": "الفرائي".
(٤) المرسل: هو ما سقط من منتهاه ذِكْرُ الصحابي بأن يقول تابعي: قال رسول الله ﷺ. انظر: مقدمة ابن الصلاح (٢٥)، الموقظة للذهبي (٣٨)، نزهة النظر (١٠٩)، اختصار علوم الحديث لابن كثير (١٥٣).
(٥) وفي "جـ": "عن".
(٦) هو محمد بن مصعب بن صدقة القرقساني أبو عبد الله. توفي سنة ٢٠٨ هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: تهذيب الكمال (٢٦/ ٤٦٠)، الكاشف (٣/ ٩٧)، تاريخ الإسلام (١٤/ ٣٧٣)، تاريخ دمشق (٥٥/ ٣٩٨).
(٧) "القرقساني" مثبتة من "أ".
فقال عمر: يرحمك الله نِعْم السيد كنت في الجاهلية، ونِعْم السيد أنت في الإسلام١.
ومن أحسن الفراسة: فراسة عبد الملك بن مروان لما بعث الشعبي إلى ملك الروم فحسد المسلمين عليه. فبعث معه ورقة لطيفة إلى عبد الملك. فلما قرأها قال: تدري ما فيها؟ قال: لا. قال: فيها "عجبٌ، كيف ملكت العرب غير هذا؟ " أفتدري ما أراد؟ قال: لا. قال: حسدني بك، فأراد أن أقتلك. فقال الشعبي: لو رآك يا أمير المؤمنين٢ ما استكبرني. فبلغ ذلك ملك الروم، فقال: والله ما أخطأ ما كان في نفسي٣.
ومن دقيق الفطنة: أنك لا ترد٤ على المطاع خطأه بين الملأ، فتحمله رتبته على نصرة الخطأ. وذلك خطأ ثان، ولكن تلطف في إعلامه به، حيث لا يشعر به غيره.
ومن دقيق الفراسة: أن المنصور جاءه رجل، فأخبره أنه خرج في
(٣) رواه الفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٥٩٤)، والخطيب في تاريخ بغداد (١٢/ ٢٢٥)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٥/ ٣٨٦). وانظر: الأذكياء (٣٥)، تهذيب الكمال (١٤/ ٣٨)، تاريخ الإسلام (٧/ ١٢٧).