الطرق الحكمية

وكان للمعتضد من ذلك عجائب، منها: أنه قام ليلة، فإذا غلام قد وثب على ظهر غلام، فاندس بين الغلمان فلم يعرفه، فجاء فجعل يضع يده على فؤاد واحد بعد واحد، فيجده ساكنًا، حتى وضع يده١ على فؤاد ذلك الغلام، فإذا به يخفق خفقًا٢ شديدًا، فركضه برجله، واستقره، فأقر، فقتله٣.

ومنها: أنه رُفِع إليه أن٤ صيادًا ألقى شبكته في دجلة، فوقع فيها جراب فيه كف مخضوبة بحناء، وأُحضر بين يديه، فهاله ذلك، وأمر الصياد أن يعاود طرح الشبكة هنالك ففعل، فأخرج جرابًا آخر فيه رجْل، فاغتم المعتضد وقال: معي في البلد من يفعل هذا ولا أعرفه؟ ثم أحضر ثقة له وأعطاه٥ الجراب، وقال: طف به على كل من يعمل الجُرُبَ ببغداد، فإن عرفه أحد منهم فاسأله عمن باعه منه، فإذا دلك عليه فاسأل٦ المشتري عن ذلك ونقِّر٧ عن خبره. فغاب الرجل ثلاثة أيام، ثم عاد، فقال: لا زلت أسأل عن خبره حتى انتهى إلى فلان الهاشمي، اشتراه مع عشرة جُرُب، وشكا البائع شره وفساده، ومن جملة ما قال أنه كان يعشق فلانة المغنية وأنه غيبها، فلا يعرف لها

  1. (١) قوله "على فؤاد" إلى قوله "حتى وضع يده" ساقط من "ب".
  2. (٢) وفي "أ": "خفقانًا".
  3. (٣) الأذكياء (٤٣)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٤٦٦)، تاريخ الإسلام (٢١/ ٦٥).
  4. (٤) "أن" ساقطة من "ب".
  5. (٥) وفي "أ": "وأعطى له".
  6. (٦) وفي "ب": "قل".
  7. (٧) في "ب": "وقص"، وفي "جـ": "ونقب".
107

خبر، وادعى أنها هربت، والجيران يقولون: إنه١ قتلها. فبعث المعتضد من كَبَسَ منزل الهاشمي وأحضره، وأحضر اليد والرجل، وأراه إياهما، فلما رآهما انتقع لونه، وأيقن بالهلاك واعترف. فأمر المعتضد بدفع ثمن الجارية إلى مولاها، وحبس الهاشمي حتى مات في الحبس٢.

فصل

ومن محاسن الفراسة: أن الرشيد رأى في داره حزمة خيزران، فقال لوزيره الفضل بن الربيع: ما هذه؟ قال عروق الرماح يا أمير المؤمنين، ولم يقل الخيزران لموافقة اسم أمه٣.

ونظير هذا: أن بعض الخلفاء سأل ولده - وفي يده مسواك - ما جمع هذا؟ قال: ضدُّ محاسنك٤ يا أمير المؤمنين. وهذا من الفراسة في تحسين اللفظ. وهو باب عظيم النفع، اعتنى به الأكابر والعلماء. وله شواهد كثيرة في السنة وهو من خاصية العقل والفطنة.

  1. (١) "إنه" ساقطة من "ب" و"جـ" و"هـ".
  2. (٢) وفي "أ": "حتى مات فيه". انظر: الأذكياء (٤٣)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٤٦٦)، تاريخ الإسلام (٢١/ ٦٥).
  3. (٣) الخيزران جارية المهدي اشتراها فأعتقها، وتزوجها فولدت له الهادي والرشيد، لم تلد امرأة خليفتين سوى ثلاث نسوة هي إحداهن، توفيت سنة ١٧٣ هـ. انظر: المنتظم (٨/ ٣٤٦)، تاريخ الإسلام (١١/ ١٠٩).
    في "أ" و"ب": "امرأته". انظر الأذكياء (٤٧).
  4. (٤) كذا في "هـ". وسقطت "ضد" من باقي النسخ.
108

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي