فرأى على بعض أبوابه شوكَ سمكٍ كثير، وعظامَ الصلب. فقال لشخص: كم يكون تقدير١ ثمن هذا السمك الذي هذه عظامه؟ قال: دينار، قال: أهل الزقاق لا تحتمل أحوالهم مشترى٢ مثل هذا؛ لأنه زقاق بين الاختلال إلى جانب الصحراء، لا ينزله من معه شيء يخاف عليه، أو له مال ينفق منه٣ هذه النفقة، وما هي إلا بلية ينبغي أن يكشف عنها٤، فاستبعد الرجلُ هذا، وقال: هذا فكر بعيد، فقال: اطلبوا لي٥ امرأة من الدرب أكلمها. فدق بابًا غير الذي عليه الشوك واستسقى ماءً، فخرجت عجوز ضعيفة. فما زال يطلب شربة بعد شربة، وهي تسقيه، وهو في خلال ذلك يسأل عن الدرب وأهله، وهي تخبره غير عارفة بعواقب ذلك، إلى أن قال لها: وهذه الدار من يسكنها؟ - وأومأ إلى التى عليها عظام السمك - فقالت: فيها خمسة شباب٦ أعفار٧، كأنهم تجار، وقد نزلوا منذ شهر لا نراهم نهارًا إلا في كل مدة طويلة، ونرى الواحد منهم يخرج في الحاجة ويعود سريعًا، وهم في طول النهار يجتمعون فيأكلون ويشربون، ويلعبون بالشطرنج
(١) وفي "ب": "يقوم التقدير".
(٢) في "أ": "شري".
(٣) "منه" ساقطة من "أ".
(٤) وفي "هـ": "عن حالها".
(٥) "لي" ساقطة من "أ".
(٦) وفي "جـ" "شبان".
(٧) العِفْر: الرجل الخبيث الداهي. مختار الصحاح (٤٤٢)، لسان العرب (٤/ ٥٨٦).
والنرد، ولهم صبي يخدمهم، فإذا كان الليل انصرفوا١ إلى دار لهم بالكَرْخ٢، ويَدَعون الصبي في الدار يحفظها، فإذا كان سحرًا جاءوا ونحن نيام لا نشعر٣ بهم. فقال للرجل: هذه صفة لصوص أم لا؟ قال: بلى، فأنفذ في الحال، فاستدعى عشرة من الشرط، وأدخلهم إلى أسطحة الجيران، ودق هو الباب، فجاء الصبي ففتح. فدخل الشرط معه٤، فما فاتهم من القوم أحد فكانوا هم أصحاب الجناية٥ بعينهم٦.
ومن ذلك: أن بعض الولاة سمع في بعض ليالي الشتاء صوتًا بدار يطلب ماءً باردًا٧، فأمر بكبس الدار، فأخرجوا رجلًا وامرأة، فقيل له: من أين علمت؟ قال: الماء لا يبرد في الشتاء، إنما ذلك علامة بين هذين٨.
وأحضر بعض الولاة٩ شخصين١٠ متهمين بسرقة، فأمر أن
(١) وفي "جـ": "صدروا".
(٢) الكرخ: محلة في وسط بغداد. معجم البلدان (٤/ ٥٠٨).