ورأيت في "أقضية علي ﵁"٢ نظير هذه القضية، وأن المضروب ادعى٣ أنه أخرس، فأمر أن يخرج لسانه، وينخس بإبرة، فإن خرج الدم أحمر فهو صحيح اللسان، وإن خرج أسود فهو أخرس٤.
وقال أصبغ٥ بن نباتة: قيل لعلي بن أبي طالب ﵁ في فداء أسرى المسلمين من أيدي المشركين، فقال: فنادوا منهم من كانت جراحاته بين يديه، دون من كانت من ورائه؛ فإنه فارّ٦.
قال: وأوصى رجل إلى آخر: أن يتصدق عنه من هذه الألف دينار بما أحب، فتصدق بعشرها، وأمسك الباقي، فخاصموه إلى علي ﵁ وقالوا: يأخذ النصف ويعطينا النصف. فقال: أنصفوك، قال: إنه قال لي: أخرج منها ما أحببت، قال: فأخرج عن الرجل تسعمائة، والباقي لك، قال: وكيف ذلك؟ قال: لأن الرجل أمرك أن٧ تخرج ما أحببت، وقد أحببت التسعمائة، فأخرجها.
(١) شرح النيل وشفاء العليل (١٣/ ٣٠).
(٢) لم أجد الكتاب مطبوعًا ولا مخطوطًا. وهو للأصبغ بن نباتة.
(٣) "ادعى" ساقط من "أ".
(٤) انظر: تبصرة الحكام (٢/ ١٤٥)، معين الحكام (١٧٣).
(٥) في "أ": "الأصبغ".
(٦) تبصرة الحكام (٢/ ١٤٥).
(٧) "أن" ساقطة من "أ".
وقضى في رجلين حُرّين يبيع أحدهما صاحبه على أنه عبد، ثم يهربان من بلد إلى بلد بقطع أيديهما١؛ لأنهما سارقان لأنفسهما، ولأموال الناس.
قلت: وهذا من أحسن القضاء، وهو الحق٢، وهما أولى بالقطع من السارق المعروف، فإن السارق إنما قطع - دون المنتَهِب٣ والمغتصب٤ -؛ لأنه لا يمكن التحرز منه. ولهذا قُطع النَّباش٥، ولهذا جاءت السنة بقطع جاحد العارية٦.
وقضى علي ﵁ أيضًا في امرأة تزوجت، فلما كان ليلة زفافها أدخلت صديقها الحجلة٧ سرًّا، وجاء الزوج فدخل
(١) روى نحوه عبد الرزاق (١٠/ ١٩٤ و١٩٥)، ورواه من طريقه ابن حزم في المحلى (١١/ ٣٣٦). وانظر: فتح الباري (٤/ ٤٨٨)، عمدة القاري (١٠/ ٢٨). وإسناده منقطع ابن جريج وقتادة لم يدركا عليًّا ﵁.
(٢) وهو مذهب الظاهرية. المحلى (١١/ ٣٣٧)، والجمهور على خلافه. انظر: فتح الباري (٤/ ٤٨٨)، عمدة القاري (١٠/ ٢٨)، الإشراف لابن المنذر (٢/ ٢٩٤).
(٣) المنتهب: اسم فاعل من انتهب الشيء إذا سلبه ولم يختلسه. المطلع (٣٧٥).
(٤) المغتصب: من استولى على حق غيره عدوانًا. التعريفات (٥٣٨)، المطلع (٢٧٤).
(٥) نبش الميت استخرجه، والنباش من يعتاد ذلك. طلبة الطلبة (١٤١)، مختار الصحاح (٦٤٣)، المصباح المنير (٥٩٠).
(٦) العاريَّة اصطلاحًا: تمليك المنافع بغير عوض. تبيين الحقائق (٥/ ٨٣)، الهداية (٥/ ٢٤٥). والحديث رواه مسلم (١٦٨٨) من حديث عائشة ﵂.