قلت: هذا الحكم عليه جمهور الأمة١ فيما إذا كان عليه دين٢ عن غير عوض مالي، كالإتلاف والضمان والمهر ونحوه، فإن القول قِوله مع يمينه، ولا يحل حبسه بمجرد قول الغريم: إنه مليء، وإنه غيَّب ماله.
قالوا: وكيف يقبل قول غريمه عليه٣، ولا أصل هناك يستصحبه ولا عوض؟ هذا الذي ذكره أصحاب الشافعي٤ ومالك٥ وأحمد٦.
وأما أصحاب أبي حنيفة٧: فإنهم قسموا الدين إلى ثلاثة أقسام: قسم عن عوض مالي، كالقرض، وثمن البيع ونحوهما. وقسم لزمه بالتزامه، كالكفالة والمهر وعوض الخلع ونحوه. وقسم لزمه بغير
= مصنف ابن أبي شيبة (٤/ ٣٥٤) رقم (٣٠٩١٩)، أخبار القضاة (١/ ١١٢)، المحلى (٨/ ١٧١). وانظر: شرح أدب القاضي للصدر الشهيد (٢/ ٣٥٦).
التزامه، وليس في مقابلة عوض، كبدل المتلف وأرش١ الجناية، ونفقة الأقارب والزوجات، وإعتاق العبد المشترك ونحوه.
ففي القسمين الأولين: يسأل المدعي عن إعسار٢ غريمه، فإن أقر بإعساره لم يحبس له، وان أنكر إعساره وسأل حبسه: حبس؛ لأن الأصل بقاء عوض الدين عنده، والتزامه٣ للقسم٤ الآخر باختياره يدل على قدرته على الوفاء.
وهل تسمع بينته٥ بالإعسار قبل الحبس أو بعده؟ على قولين٦ عندهم. وإذا قيل: لا تسمع٧ إلا بعد الحبس، فقال بعضهم: تكون مدةُ الحبس شهرًا، وقيل: اثنين٨، وقيل: ثلاثة، وقيل: أربعة، وقيل: ستة، والصحيح: أنه لا حد له، وأنه مفوض إلى رأي
(١) الأرش: هو المال الواجب فيما دون النفس. التوقيف (٥٠)، التعريفات (٣١)، أنيس الفقهاء (٢٩٥).
(٢) العُسْرُ له معان كثيرة منها الفقر وهو المراد هنا. المصباح المنير (٤٠٩)، القاموس (٥٦٤)، طلبة الطلبة (٨٧).
(٣) في "أ": "التزام".
(٤) "للقسم" ساقط من "أ".
(٥) في "جـ": "بينة".
(٦) فتح القدير (٧/ ٢٨٣)، البناية (٨/ ٣٧)، شرح أدب القاضي للصدر الشهيد (٢/ ٣٦٧)، أدب القضاء للسروجي (١٧١)، البحر الرائق (٦/ ٤٨١)، منحة الخالق (٦/ ٤٨١)، الفتاوى الهندية (٣/ ٤١٥).