التزامه، وليس في مقابلة عوض، كبدل المتلف وأرش١ الجناية، ونفقة الأقارب والزوجات، وإعتاق العبد المشترك ونحوه.
ففي القسمين الأولين: يسأل المدعي عن إعسار٢ غريمه، فإن أقر بإعساره لم يحبس له، وان أنكر إعساره وسأل حبسه: حبس؛ لأن الأصل بقاء عوض الدين عنده، والتزامه٣ للقسم٤ الآخر باختياره يدل على قدرته على الوفاء.
وهل تسمع بينته٥ بالإعسار قبل الحبس أو بعده؟ على قولين٦ عندهم. وإذا قيل: لا تسمع٧ إلا بعد الحبس، فقال بعضهم: تكون مدةُ الحبس شهرًا، وقيل: اثنين٨، وقيل: ثلاثة، وقيل: أربعة، وقيل: ستة، والصحيح: أنه لا حد له، وأنه مفوض إلى رأي
(١) الأرش: هو المال الواجب فيما دون النفس. التوقيف (٥٠)، التعريفات (٣١)، أنيس الفقهاء (٢٩٥).
(٢) العُسْرُ له معان كثيرة منها الفقر وهو المراد هنا. المصباح المنير (٤٠٩)، القاموس (٥٦٤)، طلبة الطلبة (٨٧).
(٣) في "أ": "التزام".
(٤) "للقسم" ساقط من "أ".
(٥) في "جـ": "بينة".
(٦) فتح القدير (٧/ ٢٨٣)، البناية (٨/ ٣٧)، شرح أدب القاضي للصدر الشهيد (٢/ ٣٦٧)، أدب القضاء للسروجي (١٧١)، البحر الرائق (٦/ ٤٨١)، منحة الخالق (٦/ ٤٨١)، الفتاوى الهندية (٣/ ٤١٥).
(٧) في "أ": "لا تسمع بينته".
(٨) في "أ" و"جـ": "اثنان".
الحاكم١.
والذي يدل عليه الكتاب والسنة وقواعد الشرع: أنه لا يحبس في شيء من ذلك، إلا أن يظهر بقرينة أنه قادر مماطل، سواء كان دَيْنُهُ عن عوض أو عن غير عوض، وسواء لزمه باختياره أو بغير اختياره، فإن الحبس عقوبة، والعقوبة إنما تسوغ بعد تحقق سببها، وهي من جنس الحدود، فلا يجوز إيقاعها بالشبهة، بل يتثبت الحاكم، ويتأمل حال الخصم، ويسأل عنه، فإن تبين له مَطْلُه وظلمُه ضربه إلى أن يُوفِّي أو يحبسه٢، وإن تبين له بالقرائن والأمارات عجزه لم يحل له أن يحبسه٣ ولو أنكر غريمه إعسارَه، فإن عقوبة المعذور شرعًا ظلم، وإن لم يتبين له من حاله شيء أخَّره حتى يتبين له حاله.
وقد قال النبي ﷺ لغرماء المفلس الذي لم يكن له ما يوفي دينه: "خُذوا ما وَجدْتُمْ، وليس لكُمْ إِلا ذلك"٤.
وهذا صريح في أنهم ليس لهم إذا أخذوا ما وجدوه إلا ذلك، وليس لهم حبسه ولا ملازمته. ولا ريب أن الحبس من جنس الضرب،