والذي يدل عليه الكتاب والسنة وقواعد الشرع: أنه لا يحبس في شيء من ذلك، إلا أن يظهر بقرينة أنه قادر مماطل، سواء كان دَيْنُهُ عن عوض أو عن غير عوض، وسواء لزمه باختياره أو بغير اختياره، فإن الحبس عقوبة، والعقوبة إنما تسوغ بعد تحقق سببها، وهي من جنس الحدود، فلا يجوز إيقاعها بالشبهة، بل يتثبت الحاكم، ويتأمل حال الخصم، ويسأل عنه، فإن تبين له مَطْلُه وظلمُه ضربه إلى أن يُوفِّي أو يحبسه٢، وإن تبين له بالقرائن والأمارات عجزه لم يحل له أن يحبسه٣ ولو أنكر غريمه إعسارَه، فإن عقوبة المعذور شرعًا ظلم، وإن لم يتبين له من حاله شيء أخَّره حتى يتبين له حاله.
وقد قال النبي ﷺ لغرماء المفلس الذي لم يكن له ما يوفي دينه: "خُذوا ما وَجدْتُمْ، وليس لكُمْ إِلا ذلك"٤.
وهذا صريح في أنهم ليس لهم إذا أخذوا ما وجدوه إلا ذلك، وليس لهم حبسه ولا ملازمته. ولا ريب أن الحبس من جنس الضرب،
(٣) "وإن تبين له بالقرائن والأمارات عجزه لم يحل له أن يحبسه" ساقط من "ب" و"جـ" و"هـ".
(٤) رواه مسلم رقم (١٥٥٦) (١٠/ ٤٧٧) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
بل قد يكون أشد منه. ولو قال الغريم للحاكم: اضربه إلى أن يُحضر المال، لم يُجِبْه إلى ذلك. فكيف يُجيبه إلى الحبس الذي هو مثله أو أشد. ولم يحبس الرسول ﷺ طول مدته أحدًا في دين قط، ولا أبو بكر بعده ولا عمر ولا عثمان١﵃، وقد ذكرنا قول علي ﵁.
قال شيخنا ﵀: وكذلك لم يحبس رسول الله ﷺ، ولا أحد من الخلفاء الراشدين زوْجًا في صداق امرأته٢ أصلًا٣.
وفي رسالة الليث بن سعد٤ إلى مالك التي رواها يعقوب بن سفيان الفسوي٥ الحافظ في "تاريخه"٦ عن أيوب عن٧ يحيى بن
(٣) وذكر أن هذا قول المذاهب الأربعة. الفتاوى (٣٢/ ١٩٧). وانظر: رسالة الليث التالية.
(٤) "بن سعد" من "أ".
(٥) في "أ" و"ب" و"هـ": "النسوي".
(٦) قال عنه الذهبي: "جم الفوائد" ا. هـ. سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٨٠). وقال ابن القيم: "كتاب جليل غزير العلم جم الفوائد" ا. هـ. إعلام الموقعين (٣/ ١١٠). وانظر: كشف الظنون (١/ ٢٨٠)، الفهرست (٢٨٠).
(٧) هكذا في جميع النسخ "عن أيوب عن". والمثبت في التاريخ والمعرفة للفسوي (١/ ٦٨٧): حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير ولم يذكر "عن أيوب عن". وهو ما أثبته كذلك ابن القيم في إعلام الموقعين (٣/ ١١٤). ويحيى بن عبد الله من شيوخ أبي يوسف الفسوي وقوله هنا: "عن أيوب عن" =