والفساد ما الله به عليم، وصارت المرأة إذا أحست من زوجها بصيانتها١ في البيت، ومنعها من البروز والخروج من منزله والذهاب حيث شاءت: تدّعي بصداقها، وتحبس الزوج عليه، وتنطلق حيث شاءت، فيبيت الزوج٢ ويظل يتلوى في الحبس، وتبيت المرأة فيما تبيت فيه٣.
فإن قيل: فالشروط٤ إنما تكتب حالًّا في ذمته تطالبه به متى شاءت.
قيل: لا عبرة بهذا بعد الاطلاع على حقيقة الحال، وأن الزوج لو عرف أن هذا دين حالٌّ تطالبه به بعد يوم أو شهر، وتحبسه عليه٥: لم يقدم على ذلك أبدًا، وإنما دخلوا على أن٦ ذلك مسمى، تتجمل به المرأة، والمهر هو ما ساق إليها، فإن قدر بينهما طلاق أو موت طالبته بذلك. وهذا هو الذي في نظر الناس وعرفهم وعوائدهم، ولا تستقيم أمورهم إلا به٧، والله المستعان.
والمقصود: أن الحبس في الدين من جنس الضرب بالسياط والعصي فيه، وذلك عقوبة لا تسوغ إلا عند تحقق السبب الموجب، ولا تسوغ بالشبهة، بل سقوطها بالشبهة أقرب إلى قواعد الشريعة من ثبوتها بالشبهة١، والله أعلم.
وقال الأصبغ بن نباتة: بينا علي ﵁ جالسًا في مجلسه، إذ سمع صيحة، فقال: ما هذا؟ فقالوا: رجل سرق، ومعه من يشهد عليه، فأمر بإحضارهم فدخلوا، فشهد شاهدان عليه: أنه سرق درعًا، فجعل الرجل يبكي ويناشد عليًّا أن يتثبت في أمره، فخرج علي إلى مجمع٢ الناس بالسوق، فدعا بالشاهدين فناشدهما الله٣ وخوفهما، فأقاما على شهادتهما، فلما رآهما لا يرجعان دعا٤ بالسكين وقال: ليمسك أحدكما يده ويقطع الآخر، فتقدما ليقطعاه، فهاج٥ الناس، واختلط بعضهم ببعض، وقام علي عن الموضع. فأرسل الشاهدان يد الرجل وهربا. فقال علي: من يدلني على الشاهدين الكاذبين؟ فلم يوقف لهما على خبر، فخلى سبيل
(١) في "ب": "بالبينة". والشبهة في الاصطلاح: ما يشبه الثابت وليس بثابت. انظر: الهداية للمرغيناني (٤/ ١٣٩)، وكشف الأسرار شرح أصول البزدوي (١/ ٢٨٢)، فتح القدير (٥/ ٢٦٢)، غرر الأحكام (٢/ ٦٤)، الفتاوى الهندية (٢/ ١٤٧)، مجمع الأنهر (١/ ٥٩٢).