وقال الربيع١: قال الشافعي: قال بعض الناس في اليمين مع الشاهد قولًا أسرف فيه على نفسه، قال: أَرُدُّ حكم من حكم بها؛ لأنه خالف القرآن. فقلت له: الله تعالى٢ أمر بشاهدين أو شاهد وامرأتين؟ قال: نعم، فقلت: أحتمٌ من الله ألا يجوز أقل من شاهدين؟ قال: فإن قلته؟ قلت: فقله. قال: قد قلته. قلت: وتجد في الشاهدين اللذين أمر الله بهما حدًّا؟ قال: نعم، حُران مسلمان بالغان عدلان. قلت: ومن حكم بدون ما قلت خالف حكم الله؟ قال: نعم. قلت له: إن كان كما زعمت، فقد خالفت حكم الله، قال: وأين؟ قلت: أجزت شهادة أهل الذمة، وهم غير الذين شرط الله أن تجوز شهادتهم، وأجزت شهادة القابلة وحدها على الولادة، وهذان وجهان أَعطيتَ بهما من جهة الشهادة، ثم أَعطيتَ بغير شهادة في القسامة وغيرها. قلت: والقضاء باليمين مع الشاهد ليس يخالف حكم الله، بل هو موافق لحكم الله، إذ فَرَضَ الله تعالى طاعة رسوله ﷺ، فاتبعت رسول الله ﷺ فعن الله سبحانه قبلت، كما قبلت عن رسوله. قال٣: أفيوجد لهذا نظير في القرآن؟ قلت: نعم٤. أمر الله سبحانه في الوضوء بغسل
(١) هو الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي الفقيه الكبير أبو محمد، صاحب الإمام الشافعي وناقل علمه. توفي سنة ٢٧٠ هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: سير أعلام النبلاء (١٢/ ٥٨٧)، طبقات الشافعية للسبكي (٢/ ١٣٢)، طبقات الشافعية للأسنوي (١/ ٣٠).
(٢) في "أ": "الله تعالى أعلم"
(٣) "قال" ساقطة من "ب".
(٤) "نعم" ساقطة من "جـ".
القدمين أو مسحهما، فمسحنا على الخفين بالسنة١. وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾[الأنعام: ١٤٥]. فحرمنا نحن وأنت كل ذي ناب من السباع بالسنة٢. وقال: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾[النساء: ٢٤] فحرمنا نحن وأنت الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها٣، وذكر الرجم٤ ونصاب السرقة٥. قال: وكان رسول الله ﷺ المبين عن الله معنى ما أراد خاصًّا وعامًّا٦.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: القرآن لم يذكر الشاهدين والرجل والمرأتين في طرق الحكم التي يحكم بها الحاكم، وإنما ذكر هذين النوعين من البينات في الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه. فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ
(١) سبق تخريجه.
(٢) البخاري (٩/ ٥٧٣) (٥٥٣٠)، ومسلم (١٣/ ٨٨) (١٩٣٢) من حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁.
(٣) سبق تخريجه. وهو متفق عليه. في الأم: "بالسنة". ولا بد منه ليستقيم المعنى.
(٤) سبق تخريجه. وقد رواه مسلم.
(٥) البخاري (١٢/ ٩٩) (٦٧٨٩)، ومسلم (١١/ ١٩٣) (١٦٨٤) من حديث عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا" اللفظ للبخاري.
(٦) انتهى كلام الشافعي. الأم (٧/ ١٤٣). وانظر: حلية الأولياء (٩/ ٧١)، فتح الباري (٥/ ٣٣٤).