وأيضًا؛ فإن الحاكم يحكم بالقرعة بكتاب الله وسنة رسوله الصحيحة١، ويحكم بالقافة بالسنة الصحيحة التي لا معارض لها٢، ويحكم بالقسامة بالسنة الصحيحة٣ الصريحة٤، ويحكم بشاهد الحال إذا تداعى الزوجان أو الصانعان متاع البيت والدكان٥، ويحكم - عند من أنكر الحكم بالشاهد واليمين - بوجوه الآجر في الحائط فيجعله للمدعي إذا كانت إلى جهته٦، ويحكم بمعاقد القمط في الخص فيجعله للمدعي إذا كانت من جهته٧. وهذا كله ليس في القرآن ولا حَكَمَ به رسول الله ﷺ ولا أحد من أصحابه٨، فكيف ساغ الحكم به، ولم يجعل مخالفًا لكتاب الله؟ ويُردُّ ما حكم به رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون وغيرهم من الصحابة، ويجعل مخالفًا لكتاب الله؟ بل القول ما قاله أئمة٩ الحديث١٠: إن الحكم بالشاهد
(١) سيأتي بيان ذلك مفصلًا في الطريق الخامس والعشرين.
(٢) سيأتي بيان ذلك مفصلًا في الطريق السادس والعشرين.
(٣) "الصحيحة" ساقطة من "ب".
(٤) البخاري (٦/ ٣١٧) رقم (٣١٧٣)، ومسلم (١١/ ١٥٥) (١٦٦٩) من حديث سهل بن أبي حثمة ﵁.
واليمين: حكم بكتاب الله، فإنه حق، والله سبحانه أمر بالحكم بالحق.
فهاتان قضيتان ثابتتان بالنص؛ أما الأولى: فلأن رسول الله ﷺ وخلفاءه من بعده حكموا به ولا يحكمون بباطل. وأما الثانية: فلقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾[المائدة: ٤٩] وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾[النساء: ١٠٥]، فالحكم بالشاهد واليمين مما أراه الله إياه قطعًا، وقال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾[الشورى: ١٥] وهذا مما حكم به، فهو عدل مأمور به من الله ولا بد.
فصل
والذين ردوا هذه السنة١ لهم طرق:
الطريق الأول: أنها خلاف كتاب الله، فلا تقبل. وقد بين الأئمة كالشافعي٢ وأحمد٣ وأبي عبيد٤ وغيرهم - أن كتاب الله لا يخالفها بوجه، وإنها لموافقة٥ لكتاب الله. وأنكر الإمام
= (٢٢/ ٤٨)، شرح السنة (١٠/ ١٠٤)، المنتقى (٥/ ٢٠٨)، تهذيب السنن (٥/ ٢٢٥)، سنن البيهقي (١٠/ ٢٩٥)، فتح الباري (٥/ ٣٣٢).
(١) في "ب" و"هـ": "المسألة". وصوّب ابن باز ﵀: "السنة".
(٢) الأم (٧/ ٣٩)، سنن البيهقي (١٠/ ٢٩٥)، نصب الراية (٥/ ١٤٥)، فتح الباري (٥/ ٣٣٤).