ولا يجوز رد واحدة١ من هذه الأقسام الثلاثة، وليس للسنة مع كتاب الله منزلة رابعة، وقد أنكر الإمام٢ أحمد على من قال: "السنة تقضي على الكتاب"٣ فقال: بل السنة تفسر الكتاب وتبينه٤.
والذي نُشهد الله ورسوله به: أنه لم تأت سنة صحيحة واحدة٥ عن رسول الله ﷺ تناقض كتاب الله وتخالفه ألبتة، كيف ورسول الله ﷺ هو المبين لكتاب الله، وعليه أنزل، وبه هداه الله، وهو مأمور باتباعه، وهو أعلم الخلق بتأويله ومراده، ولو ساغ رد سنن رسول الله ﷺ لما٦ فهمه الرجل من ظاهر الكتاب لردت بذلك أكثر السنن، وبطلت بالكلية. فما من أحد يحتج عليه بسنة صحيحة تخالف مذهبه ونحلته
(١) في "أ" و"ب": "واحد".
(٢) "الإمام" ساقطة من "أ".
(٣) في "ب": "كتاب الله". القائل: يحيى بن أبي كثير - رحمه الله تعالى -. رواه عنه الدارمي (١/ ١٥٣)، والخطيب في الكفاية (٤٧)، وابن بطة في الإبانة (١/ ٢٥٣)، وابن شاهين في الكتاب اللطيف شرح مذهب أهل السنة (١٠٤) رقم (٤٩)، والهروي في ذم الكلام (٢/ ١٤٤) رقم (٢١٩).
(٤) رواه أبو داود في مسائل الإمام أحمد (٣٦٨)، والخطيب في الكفاية (٤٧)، وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٢)، والهروي في ذم الكلام (٢/ ١٤٦) رقم (٢٢١). وانظر: تفسير القرطبي (١/ ٣٩)، البحر المحيط للزركشي (٤/ ١٦٧)، الموافقات (٤/ ١٩).
(٥) "واحدة" ساقطة من "ب" و"جـ" و"هـ".
(٦) في "أ": "بما".
إلا ويمكنه أن يتشبث بعموم آية أو إطلاقها، ويقول: هذه السنة مخالفة لهذا العموم والإطلاق فلا تقبل.
حتى إن الرافضة - قبحهم الله - سلكوا هذا المسلك بعينه في رد السنن الثابتة المتواترة، فردوا قوله ﷺ: "لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ"١، وقالوا: هذا حديث يخالف كتاب الله، قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾٢[النساء: ١١].
وردت الجهمية ما شاء الله من الأحاديث الصحيحة في إثبات الصفات بظاهر قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾[الشورى: ١١].
وردت الخوارج ما شاء الله من الأحاديث الدالة على الشفاعة٣ وخروج أهل الكبائر من الموحدين من النار٤ بما فهموه
(١) رواه البخاري (٦/ ٢٢٧) رقم (٣٠٩٤) من حديث عمر ﵁ ورقم (٣٠٩٣) من حديث أبي بكر ﵁، ومسلم (١٢/ ٣٢٠) رقم (١٧٥٩) من حديث أبي بكر ﵁ ورقم (١٧٦١) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) انظر: منهاج السنة النبوية (٤/ ١٩٣).
(٣) الشفاعة شرعًا: السؤال للغير بجلب المنفعة له أو دفع المضرة عنه. انظر: شرح لمعة الاعتقاد (٧٢)، شرح العقيدة الواسطية (١٣٧). وفي لوامع الأنوار البهية (٢/ ٢٠٤)، ولوائح الأنوار السنية (٢/ ٢٤٦): "سؤال الخير للغير" ا. هـ.
(٤) وأحاديث الشفاعة كثيرة عدّها بعض العلماء من الأحاديث المتواترة. انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (١/ ٣١٤)، لوامع الأنوار للسفاريني (٢/ ٢٠٨)، الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة للسيوطي (٧٦). وانظر أحاديث =