وردت كل طائفة ما ردته من السنة بما فهموه من ظاهر القرآن. فإما أن يطرد الباب في ردِّ هذه السنن كلها، وإما أن يطرد الباب في قبولها ولا يُردُّ شيء منها لما٢ يفهم من ظاهر القرآن. أما أن يرد بعضها ويقبل بعضها٣ - ونسبة المقبول إلى ظاهر القرآن كنسبة المردود - فتناقض ظاهر، وما من أحد رد سنة٤ بما فهمه من ظاهر القرآن إلا وقد قبل أضعافها مع كونها كذلك٥.
وقد أنكر الإمام أحمد والشافعي وغيرهما٦ على من رد أحاديث تحريم كل ذي ناب من السباع٧ بظاهر قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾[الأنعام: ١٤٥].
وقد أنكر النبي ﷺ على من رد سنته التي لم تذكر في القرآن٨،
(٨) كما في قوله ﷺ: "لا ألفين أحدكم متكئًا على أريكته يأتيه أمر مما أمرت به أو نهيت =
ولم يدع معارضة القرآن لها، فكيف يكون إنكاره على من ادعى أن سنته تخالف القرآن وتعارضه؟
فصل
الطريق الثاني: أن اليمين إنما شرعت في جانب المدعى عليه فلا تشرع في جانب المدعي.
قالوا١: ويدل على ذلك: قوله ﷺ: "البَيِّنَةُ على مَن ادَّعَى٢، وَاليَمِينُ عَلى مَنْ أَنْكَرَ"٣ فجعل اليمين من جانب المنكر. وهذه الطريقة ضعيفة جدًّا من وجوه.
أحدها: أن أحاديث القضاء بالشاهدين٤ واليمين أصح، وأصرح،
= عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه". رواه أحمد (٦/ ٨ و١٠)، وأبو داود (٦٥١) رقم (٤٦٠٥)، والحميدي (١/ ٤٧٣) رقم (٥٦١)، والترمذي (٤/ ٣٩٨) رقم (٢٦٦٣)، وابن ماجه (١/ ٥٠) (١٣)، والحاكم (١/ ١٠٨)، والبيهقي (٧/ ١٢٠)، وفي دلائل النبوة (١/ ٢٤)، وابن حبان (١/ ١٩٠) رقم (١٣)، والطبراني في الكبير (١/ ٢٩٥) رقم (٩٣٤). من حديث أبي رافع ﵁. قال الترمذي: "حديث حسن"، وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" ووافقه الذهبي. وقال الحافظ ابن حجر: "حديث أبي رافع .. أخرجه أحمد وأصحاب السنن ورجاله ثقات وقد صححه الحاكم" ا. هـ. موافقة الخُبْرِ الخَبَر (٢/ ٣٢٥)، وللحديث شواهد ذكرها الحافظ ابن حجر.