الطرق الحكمية

هو خير منه أو مثله من الصحابة، فلو شهد أبو بكر وحده، أو عمر أو عثمان أو علي أو أُبيُّ بن كعب ﵃ لكان أولى بالحكم بشهادته وحده. والأمر الذي لأجله جعل شهادته بشهادتين١ موجود في غيره، ولكنه أقام الشهادة وأمسك عنها غيره، وبادر هو إلى وجوب الأداء، إذ ذلك من موجبات تصديقه لرسول الله ﷺ.

وقد قبل النبي ﷺ شهادة الأعرابي وحده على رؤية هلال رمضان٢، وتسمية بعض الفقهاء٣ ذلك إخبارًا، لا شهادة: أمر لفظي لا يقدح في الاستدلال، ولفظ الحديث يرد قوله٤.

وأجاز الشاهد الواحد في قصة السلب، ولم يطالب القاتل بشاهد آخر، ولا استحلفه، وهذه القصة صريحة في ذلك.

ففي "الصحيحين"٥ عن أبي قتادة قال: "خَرَجْنا مع رَسُولِ الله

  1. (١) وفي "د": "بشاهدين".
  2. (٢) رواه أبو داود (٢٣٤٠)، والترمذي (٦٩١)، والنسائي (٢١١٢)، وابن ماجه (١٦٥٢)، وابن خزيمة (٣/ ٢٠٨) (١٩٢٣) (١٩٢٤)، وابن حبان (٨/ ٢٢٩) (٣٤٤٦)، والحاكم (١/ ٤٢٤)، من طرق عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا. وصححه ابن جرير في تهذيب الآثار (٢/ ٧٥٦ - مسند ابن عباس)، والحاكم ولم يتعقبه الذهبي، ورجح ابن حبان إرساله.
  3. (٣) انظر: المبسوط (١٠/ ١٦٨)، الدر المختار مع حاشية ابن عابدين (٢/ ٤٠٩)، الإنصاف (٧/ ٣٣٩)، كشاف القناع (٤/ ٣٠٤).
  4. (٤) في "ب": "يرد على قوله".
  5. (٥) البخاري (٦/ ٢٨٤) رقم (٣١٤٢)، ومسلم (١٢/ ٣٠١) رقم (١٧٥١).
199

ﷺ في عام خيبر١، فلمَّا التَقَيْنَا كانت للمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، قال: فَرَأَيْتُ رجُلًا من المُشْرِكِينَ قد عَلَا رَجُلًا٢ من المسلمين، فَاسْتَدَرْتُ له حتَّى أَتَيْتُهُ مِن وَرائِهِ، فضَرَبْتُهُ بالسَّيْفِ على حبل عاتِقِه٣، فَأَقْبَلَ عَليَّ، فَضَمَّني ضَمَّةً وَجَدْتُ منها رِيْحَ المَوْتِ، ثُمَّ أَدْركَهُ المَوْتُ، فَأرْسَلَنِي. فَلَحِقْتُ عُمر بن الخطاب، فقُلْتُ: ما بالُ النَّاسِ؟ قال: أَمْرُ اللهِ، ثم إِن النَّاسَ رَجَعوا، وجَلَسَ رسولُ الله ﷺ، فقال: "مَنْ قَتَلَ قتيلًا له عليه بَيِّنةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ"، قال: فقُمْتُ، ثم قُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، ثم قال: الثانية٤ مثلَهُ، فَقُمْتُ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "ما لَكَ يا أَبا قَتَادَة"؟ فَقَصَصْتُ علَيهِ القِصَّةَ، فقال رَجُلٌ٥ من القَوْمِ: صَدَقَ يا رسولَ اللهِ، وسَلَبُ ذلك القَتِيلِ عِنْدي فَأَرْضِهِ عنِّي، فقال أبو بكرٍ الصدِّيق: لاها اللهِ٦ لا يَعْمِدُ إلى أَسَدٍ مِن أُسْدِ اللهِ يُقاتِلُ عن اللهِ ورسولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "صَدَقَ، فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ". قال أبو قتادة: فَأَعْطَانِيهِ، فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِه مَخْرفًا٧ في بني

  1. (١) هكذا في جميع النسخ، والصواب: "حنين" كما في الصحيحين وكما سيذكره المؤلف في الطريق السادس.
  2. (٢) قال الحافظ ابن حجر: "لم أقف على اسمهما" ا. هـ. الفتح (٧/ ٦٣٢).
  3. (٣) حبل العاتق: عصبه والعاتق موضع الرداء من المنكب. فتح الباري (٧/ ٦٣٢).
  4. (٤) هكذا في جميع النسخ: "الثانية"، والصواب: "الثالثة" كما في الصحيحين.
  5. (٥) قال الحافظ: "لم أقف على اسمه" ا. هـ. الفتح (٦/ ٢٨٧).
  6. (٦) لاها الله إذا أي لا والله يكون ذا. فتح الباري (٧/ ٦٣٣) "نقلًا عن الخطابي" وقد أطال الحافظ في بيان معناها.
  7. (٧) مخرفًا: بفتح الميم والراء ويجوز كسر الراء أي: بستانًا سمي بذلك لأنه =
200

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي