قلت: وهذا مذهب الشافعي١، ومالك٢، وصوبه الإمام أحمد٣﵃.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ ورضي عنه -: وليس المنقول عن الصحابة ﵃ في النكول ورد اليمين بمختلف، بل هذا له موضع، وهذا له موضع، فكل موضع أمكن المدعي معرفته والعلم به فرد المدعى عليه اليمين، فإنه إن حلف استحق، وإن لم يحلف لم يحكم له بنكول المدعى عليه.
وهذا كحكومة عثمان والمقداد ﵄، فإن المقداد قال لعثمان: "احلف أن الذي دفعته إليَّ كان سبعة آلاف وخذها"٤ فإن المدعي هنا يمكنه معرفة ذلك والعلم به، كيف وقد ادعى به؟ فإذا لم يحلف لم يحكم له إلا ببينة أو إقرار.
وأما إذا كان المدعي لا يعلم ذلك، والمدعى عليه هو المنفرد بمعرفته، فإنه إذا نكل عن اليمين حكم عليه بالنكول، ولم ترد على
(١) انظر: الأم (٧/ ٧٥)، الحاوي (١٦/ ٣١٦)، الرسالة (٤٨٣ و٦٠٠)، روضة الطالبين (٨/ ٣٢٢)، أدب القاضي للماوردي (٢/ ٣٥٥)، أدب القاضي لابن أبي الدم (٢٢١)، المسائل الفقهية لابن كثير (٢٠٦)، نهاية المحتاج (٨/ ٣٤٧)، مغني المحتاج (٤/ ٤٦٨)، بجيرمي (٤/ ٣٥٠).
المدعي، كحكومة عبد الله بن عمر وغريمه في الغلام. فإن عثمان قضى عليه "أن يحلف أنه باع الغلام وما به داء يعلمه"١ وهذا يمكن أن يعلمه البائع، فإنه إنما استحلفه على نفي العلم: أنه لا يعلم به داء، فلما امتنع من هذه اليمين قضى عليه بنكوله٢.
وعلى هذا: إذا وجد بخط أبيه في دفتره: أن له٣ على فلان كذا وكذا، فادعى به عليه، فنكل، وسأله إحلاف المدعي: أن أباه أعطاني هذا، أو أقرضني إياه، لم ترد عليه اليمين، فإن٤ حلف المدعى عليه، وإلا قضي عليه بالنكول؛ لأن المدعى عليه يعلم ذلك.
وكذلك لو ادعى عليه: أن فلانًا أحالني عليك بمائة، فأنكر المدعى عليه ونكل عن اليمين، وقال للمدعي٥: أنا لا أعلم أن فلانًا أحالك، ولكن احلف وخذ، فها هنا إن لم يحلف لم يحكم له بنكول المدعى عليه.
وهذا الذي اختاره شيخنا ﵀ هو فصل النزاع في النكول ورد اليمين، وبالله التوفيق.