وهو من أسدِّ المذاهب وأصحها. وهي عندهم ثلاث مراتب٢:
المرتبة الأولى: دعوى يشهد لها العرف بأنها مشبهة، أي تشبه أن تكون حقًّا.
المرتبة الثانية: ما يشهد العرف بأنها غير مشبهة، إلا أنه لم يقض بكذبها.
المرتبة الثالثة: دعوى يقضي العرف بكذبها.
فأما المرتبة الأولى: فمثل٣ أن يدعي سلعة معينة بيد رجل، أو يدعي غريب وديعة عند غيره، أو يدعي مسافر أنه أودع أحد رفقته، وكالمدعي على صانع منتصب للعمل أنه دفع إليه متاعًا يصنعه، والمدعي على بعض أهل الأسواق المنتصبين للبيع والشراء أنه باع٤ منه أو اشترى، وكالرجل يذكر في مرض موته أن له دينًا قبل رجل، ويوصي أن يتقاضى٥ منه فينكره، وما أشبه هذه المسائل.
فهذه الدعوى تسمع من مدعيها، وله أن يقيم البينة على مطابقتها،
(١) "في الدعاوى" ساقطة من "ب".
(٢) انظر الفروق (٤/ ٨٠)، الذخيرة (١١/ ٤٥)، القوانين (٣٠٩)، عقد الجواهر (٣/ ١٠٨١).
(٣) في "أ": "فهي".
(٤) في "ب" و"جـ" و"د" و"هـ": "باعه".
(٥) في "ب": "يتقاضاه".
أو١ يستحلف المدعى عليه، ولا يحتاج في٢ استحلافه إلى إثبات خُلطة٣٤.
وأما المرتبة الثانية: فمثل أن يدعي على رجل دينًا في ذمته، ليس داخلًا في الصور المتقدمة، أو يدعي على رجل معروف بكثرة المال أنه اقترض منه مالًا ينفقه على عياله، أو يدعي على رجل لا معرفة بينه وبينه ألبتة أنه أقرضه أو باعه شيئًا بثمن في ذمته إلى أجل ونحو ذلك.
فهذه الدعوى تسمع، ولمدعيها أن يقيم البينة على مطابقتها.
قالوا: ولا يملك استحلاف المدعى عليه على نفيها إلا بإثبات خلطة بينه وبينه٥.
قال ابن القاسم٦: والخلطة أن يسالفه، أو يبايعه، أو يشتري منه
(١) في "د": "ويستحلف".
(٢) في "أ" و"ب" و"جـ": "إلي".
(٣) الخلطة: حالة ترفع بُعْد توجه الدعوى على المدعى عليه. حدود ابن عرفة (٢/ ٦١٢). وسيأتي تعريف ابن القاسم لها قريبًا.
(٤) انظر: المنتقى (٥/ ٢٢٤)، عدة البروق (٥٢٠)، القوانين (٣٠٩)، منتخب الأحكام (١٠٥)، عقد الجواهر الثمينة (٣/ ١٠٨١).
(٥) انظر: المدونة (٥/ ١٧٦)، الرسالة (٢٤٤)، القوانين (٣٠٩)، بداية المجتهد (٨/ ٦٧٢)، الفروق (٤/ ٨١)، فصول الحكام (٢١٢)، عقد الجواهر الثمينة (٣/ ١٠٨١)، الخرشي (٦/ ١٠٠)، بلغة السالك (٤/ ٢١٢)، منح الجليل (٨/ ٥٥٦)، حاشية العدوي على شرح كفاية الطالب (٢/ ٣٤٠).
(٦) عبد الرحمن بن القاسم بن خالد أبو عبد الله العُتقي الإمام المشهور، وثقه النسائي. توفي سنة ١٩١ هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: سير أعلام النبلاء =