قدره في أعين الناس، وكلا الأمرين موجود١ في الناس اليوم٢.
قال: وقد٣ شاهدنا من ذلك كثيرًا، وحضرناه، وأصابنا٤ بعضه، فكان٥ ما ذهب إليه مالك ومن تقدمه٦ من الصحابة٧ والتابعين٨ حراسة لمروءات الناس، وحفظًا لها من الضرر اللاحق بهم، والأذى المتطرق إليهم. فإذا قويت دعوى المدعي بمخالطة أو معاملة ضعفت التهمة، وقوي في النفس أن مقصوده غير ذلك، فأُحلف له، ولهذا لم نعتبر ذلك في الغريبين؛ لأن الغربة لا تكاد تلحق المروءة فيها ما يلحقها في الوطن.
فإن قيل: فيجب ألا يُحضره مجلس الحاكم أيضًا؛ لأن في ذلك امتهانًا له وابتذالًا.
قيل له: حضوره مجلس الحاكم لا عار فيه، ولا نقص يلحق من
(١) في "أ": "موجودات".
(٢) انظر: فتح الباري (٥/ ٣٣٤)، شرح الزرقاني على الموطأ (٣/ ٣٦٩)، عون المعبود (١٠/ ٤٨).
(٣) "وقد" ساقطة من "ب" و"هـ".
(٤) "وأصابنا" ساقطة من "ب".
(٥) وفي "ب": "وذلك".
(٦) في "ب": "تقدم".
(٧) كعثمان وابن مسعود وحذيفة ﵃ وقد سبق قريبًا.
(٨) كجبير بن مطعم. رواه البيهقي (١٠/ ٣٠٢)، والدارقطني (٤/ ٢٤٢). ومسروق. رواه ابن سعد (٦/ ١٤١). وانظر: مجمع الزوائد (٤/ ١٨٤)، والدراية (٢/ ١٧٧).
حضوره؛ لأن الناس يحضرونه ابتداءً في حوائج لهم ومهمات، وإنما العار الإقدام على اليمين، لما ذكرناه.
وأيضًا؛ فإنه يُمكَّن المدعي من إحضاره، لعله يقيم عليه البينة، ولا يقطعه عن حقه.
فإن قيل: فاليمين الصادقة لا عار فيها، وقد حلف عمر بن الخطاب ﵁ وغيره من السلف، وقال لعثمان بن عفان ﵁ لما بلغه أنه افتدى يمينه: "ما منعك أن تحلف إذا كنت صادقًا؟ "١.
قيل: مكابرة٢ العادات لا معنى لها، وأقرب ما يبطل به قولهم: ما ذكرناه من افتداء كثير من الصحابة والسلف أيمانهم، وليس ذلك إلا لصرف الظلمة عنهم، وألا تتطرق إليهم تهمة، وما روي عن عمر إنما هو لتقوية نفس عثمان، وأنه إذا حلف صادقًا فهو مصيب في الشرع؛ ليضعف بذلك نفوس من يريد الإعنات، ويطمع في أموال الناس بادعاء المحال؛ ليفتدوا أيمانهم منهم بأموالهم.
وأيضًا: فإن أرادوا أن٣ اليمين الصادقة لا عار فيها عند الله تعالى فصحيح، ولكن ليس كل ما لم يكن عارًا عند الله تعالى لم يكن عارًا في
(١) رواه بنحوه الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٢٣٧) رقم (٥٥٩). قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح" ا. هـ. مجمع الزوائد (٤/ ١٨٥).