حضوره؛ لأن الناس يحضرونه ابتداءً في حوائج لهم ومهمات، وإنما العار الإقدام على اليمين، لما ذكرناه.
وأيضًا؛ فإنه يُمكَّن المدعي من إحضاره، لعله يقيم عليه البينة، ولا يقطعه عن حقه.
فإن قيل: فاليمين الصادقة لا عار فيها، وقد حلف عمر بن الخطاب ﵁ وغيره من السلف، وقال لعثمان بن عفان ﵁ لما بلغه أنه افتدى يمينه: "ما منعك أن تحلف إذا كنت صادقًا؟ "١.
قيل: مكابرة٢ العادات لا معنى لها، وأقرب ما يبطل به قولهم: ما ذكرناه من افتداء كثير من الصحابة والسلف أيمانهم، وليس ذلك إلا لصرف الظلمة عنهم، وألا تتطرق إليهم تهمة، وما روي عن عمر إنما هو لتقوية نفس عثمان، وأنه إذا حلف صادقًا فهو مصيب في الشرع؛ ليضعف بذلك نفوس من يريد الإعنات، ويطمع في أموال الناس بادعاء المحال؛ ليفتدوا أيمانهم منهم بأموالهم.
وأيضًا: فإن أرادوا أن٣ اليمين الصادقة لا عار فيها عند الله تعالى فصحيح، ولكن ليس كل ما لم يكن عارًا عند الله تعالى لم يكن عارًا في
(١) رواه بنحوه الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٢٣٧) رقم (٥٥٩). قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح" ا. هـ. مجمع الزوائد (٤/ ١٨٥).
(٢) في "جـ" و"هـ": "نكارة".
(٣) "أن" ساقطة من "أ".
العادة، وهم يعللون منع إنكاح الابن أمه بأن عليه عارًا في ذلك١، ونحن نعلم أن المباح لا عار فيه عند الله تعالى، هذا إذا علم كون اليمين صدقًا، وكلامنا في يمين مطلقة لا يعلم باطنها.
قال: ودليل آخر، وهو أن الأخذ بالعرف واجب، لقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾[الأعراف: ١٩٩]. ومعلوم أن من كانت دعواه ينفيها العرف، فإن الظن سبق إليه في دعواه٢ بالبطلان، كبقال يدعي على خليفة أو أمير ما لا يليق بمثله شراؤه، أو تطرق تلك الدعوى عليه٣.
قلت: ومما يشهد لذلك ويقويه قول عبد الله بن مسعود الذي رواه عنه الإمام أحمد وغيره - وهو ثابت٤ عنه -: "إن الله نظر في قلوب العباد، فرأى قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاختاره لرسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعده، فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاختارهم لصحبته، فما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح"٥.
(١) قوله "وهم يعللون منع إنكاح الابن أُمه بأن عليه عارًا في ذلك" ساقط من "ب" و"جـ" و"هـ".
(٢) "في دعواه" ساقطة من "جـ".
(٣) انظر: قواعد ابن رجب (٣/ ١٠٩).
(٤) وكذا قال في الفروسية (٢٩٨).
(٥) رواه الإمام أحمد (١/ ٣٧٩)، وفي فضائل الصحابة (١/ ٣٦٧)، والطيالسي (٣٣) رقم (٢٤٦)، والطبراني في الكبير (٩/ ١١٣) رقم (٨٥٨٣)، والأوسط (٤/ ٣٦٧) رقم (٣٦٢٧)، والبزار (٥/ ٢١٢) رقم (١٨١٦)، والحاكم (٣/ ٨٩)، والبغوي في شرح السنة (١/ ٢١٥)، والبيهقي في الاعتقاد (١٨٣)، وفي المدخل (١/ ١١٤) (٤٩). وصححه ابن كثير في البداية والنهاية (١٤/ ٣٨٦)، =