ولا ريب أن المؤمنين - بل وغيرهم - يرون من القبيح أن تسمع دعوى البقال على الخليفة الأمير أنه باعه بمائة ألف دينار أو نحوها١ ولم يوفه إياها، أو أنه اقترض منه ألف دينار أو نحوها٢، أو أنه تزوج ابنته الشوهاء، ودخل بها، ولم يعطها مهرها. أو تدعي امرأة مكثت٣ مع الزوج ستين سنة أو نحوها: أنه لم ينفق عليها يومًا واحدًا، ولا كساها خيطًا، وهو يشاهد داخلًا وخارجًا إليها بأنواع الطعام والفواكه فتسمع دعواها ويحلف لها، ويحبس على ذلك كله. أو تسمع دعوى الذاعر الهارب وبيده عمامة لها ذؤابة، وعلى رأسه عمامة، وخلفه عالم مكشوف الرأس، فيدعي الذاعر أن العمامة له، فتسمع دعواه، ويحكم له بها بحكم اليد. أو يدعي رجل معروف بالفجور وأذى الناس على رجل مشهور بالديانة والصلاح أنه نقب بيته وسرق متاعه، فتسمع دعواه ويستحلف له، فإن نكل قضي عليه. أو يدعي رجل على رجل مشهور بالخير والدين أنه تعرض لزوجته أو ولده أو لقريبه بكلام قبيح أو فعل، فلا تسمع دعواه ويُعزر المدعي بذلك٤. أو يدعي رجل
= والهيتمي في الصواعق المحرقة (٢٣)، والساعاتي في الفتح الرباني (٢٢/ ١٧٠)، وحسنه السخاوي في المقاصد (٩٥٩)، والحافظ ابن حجر في موافقة الخُبْر الخَبَر (٢/ ٤٣٥)، وجود إسناده ابن كثير في تحفة الطالب (٤٥٥).
(١) "أو نحوها" ساقطة من "أ".
(٢) "ولم يوفه إياها أو أنه اقترض منه ألف دينار ونحوها" ساقطة من "هـ".
(٣) في "أ": "تلبثت".
(٤) "أو يدعي رجل على رجل مشهور بالخير والدين أنه تعرض لزوجته أو لولده أو لقريبه بكلام قبيح أو فعل فلا تسمع دعواه ويعزر المدعي بذلك" مثبت من "جـ" و"هـ".
معروف بالشحاذة وسؤال الناس أنه أقرض تاجرًا من أكابر التجار مائة ألف دينار، أو أنه غصبها منه، أو أن ثياب التاجر التي هي عليه ملك الشحاذ شلحه إياها، أو غصبها منه. ونحو ذلك من الدعاوى التي شهد الناس بفطرهم وعقولهم أنها من أعظم الباطل؛ فهذه لا تسمع، ولا يُحلَّف فيها المدعى عليه، ويُعزر المدعي تعزير أمثاله. وهذا الذي تقتضيه الشريعة التي مبناها على الصدق والعدل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾[الأنعام: ١١٥] فالشريعة المنزلة من عند الله لا تصدق كاذبًا، ولا تنصر ظالمًا.
فصل١
ورأيت لشيخ الإسلام ابن تيمية - ﵀ ورضي الله عنه - في ذلك جواب سؤال: هل السياسة بالضرب والحبس للمتهمين في الدعاوى وغيرها من الشرع أم لا؟ وإذا كانت من الشرع فمن يستحق ذلك، ومن لا يستحقه؟ وما قدر الضرب ومدة الحبس؟
فأجاب٢: الدعاوى التي يحكم فيها ولاة الأمور - سواء سموا قضاة، أو ولاة، أو ولاة الأحداث٣، أو ولاة المظالم٤، أو غير
(١) "فصل" ساقطة من "أ".
(٢) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٣٨٩ - ٤٠٧).
(٣) ولاة الأحداث: هم الذين يُعلَّمون أحداث الفيء الفروسية والرمي. وقيل: هم الذين ينصبون في الأطراف لتولية القضاء وسعاة الصدقات وعزلهم وتجهيز الجيوش إلى الثغور وحفظ البلاد من الفساد ونحوها عن الأحداث. أسنى المطالب (٣/ ٩٢).
(٤) والي المظالم: هو الذي يقود المتظالمين إلى التناصف بالرهبة وزجر =