لما روى مسلم في "صحيحه"١ عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بدَعْوَاهُمْ لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ اليَمِيْنَ عَلَى المُدَّعَىَ عَلَيْه"، وفي رواية في "الصحيحين"٢ عنه: "قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِاليَمِيْنِ عَلىَ المُدَّعَى عَلَيْهِ".
فهذا الحديث نص أن٣ أحدًا لا يعطى بمجرد دعواه، ونص في أن الدعوى المتضمنة للإعطاء فيها اليمين ابتداءً على المدعى عليه وليس فيها أن الدعاوى الموجبة للعقوبات لا توجب اليمين إلا على المدعى عليه.
بل قد ثبت عنه٤ في "الصحيحين"٥ في قصة القسامة: أنه قال لمدعي الدم: "تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ، فَقَالوا: كَيف نحلف، ولم نشهد، ولم نر؟ قال: فَتُبَرِّئُكُمْ يَهودُ بَخَمْسِينَ يَمِينًا".
وثبت في "صحيح مسلم"٦ عن ابن عباس: "أنَّ النَّبي ﷺ قَضَى
(١) في الأقضية: باب اليمين على المدعى عليه (١٢/ ٢٤٣) رقم (١٧١١).
(٢) البخاري (٥/ ١٧٢) رقم (٢٥١٤)، ومسلم (١٢/ ٢٤٣) رقم (١٧١١) مكرر.
(٣) في "جـ": "نص في أن".
(٤) "عنه" من "أ".
(٥) سبق تخريجه. وانظر: تهذيب السنن (٦/ ٣٢٠).
(٦) في الأقضية: باب القضاء بالشاهد واليمين (١١/ ٢٤٤) رقم (١٧١٢).
بِيَمين وَشَاهِدٍ". وابن عباس هو الذي روى عن النبي ﷺ: "أنه قضى بَاليمين على المدعى عليه"١، وهو الذي روى: "أنه قضى باليمين والشاهد" ولا تعارض بين الحديثين، بل هذا في دعوى، وهذا في دعوى.
وأما الحديث المشهور على ألسنة الفقهاء: "البَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى٢ وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ"٣ فهذا قد روي، ولكن ليس إسناده في الصحة والشهرة مثل غيره، ولا رواه عامة أصحاب السنن المشهورة، ولا قال بعمومه أحد من علماء الأمة، إلا طائفة من فقهاء الكوفة، مثل أبي حنيفة وغيره٤، فإنهم يرون اليمين دائمًا في٥ جانب المنكر، حتى في القسامة٦، يحلفون المدعى عليه، ولا يقضون بالشاهد واليمين٧، ولا يردون اليمين على المدعي عند النكول٨، واستدلوا بعموم هذا الحديث.