وأما سائر علماء الأمة - من أهل المدينة ومكة والشام وفقهاء الحديث وغيرهم، مثل ابن جريج١ ومالك٢ والشافعي٣ والليث٤ وأحمد٥ وإسحاق٦ -: فتارة يحلفون٧ المدعى عليه، كما جاءت بذلك السنة، والأصل عندهم: أن اليمين مشروعة في أقوى الجانبين، وأجابوا عن ذلك الحديث: تارة بالتضعيف٨، وتارة بأنه عام، وأحاديثهم خاصة٩، وتارة بأن أحاديثهم أصح وأكثر١٠، فالعمل بها
= مختصر اختلاف العلماء (٣/ ٣٨٣)، شرح أدب القاضي للحسام الشهيد (١٧٤)، طريقة الخلاف (٤١٨)، عقود الجواهر المنيفة (٢/ ٦٩)، فتح القدير (٨/ ١٧٢)، الهداية (٥/ ١٤٣).
(١) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٣٩٢).
(٢) انظر: المنتقى (٥/ ٢١٠)، الخرشي على خليل (٧/ ٢٤٢)، فتح العلي المالك (١/ ٢٨٢).
(٩) انظر: المغني (١٢/ ٢٠٤)، الشرح الكبير (٢٦/ ١٥١)، الممتع في شرح المقنع (٥/ ٦٢٨).
(١٠) انظر: المراجع السابقة.
عند التعارض أولى.
وقد ثبت عن النبي ﷺ: "أنه طلب البينة من المدعي، واليمين من المنكر" في حكومات معينة، ليست من جنس دعاوى التهم، مثل ما خرّجا في "الصحيحين"١ عن الأشعث بن قيس أنه قال: "كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُل٢ حُكُومَةٌ فِي بِئرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى النَّبي ﷺ، فَقَال: "شَاهِدَاكَ أوْ يَمِينُهُ"، فَقَلْتُ: إذا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي، فَقَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ٣ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئ مُسْلِمٍ - هُوَ فِيهَا فَاجِر - لَقِيَ الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضبَان"، وفي رواية فقال: "بَيَّنَتُكَ أنَّها بِئْرُكَ، وَإِلَّا فَيَمِينُهُ"٤.
وعن وائل بن حُجر قال: جاء رجل من حضرموت، ورجل من كندة إلى النبي ﷺ، فقال الذي من حضرموت: يا رسول الله، إن هذا غلبني على أرض كانت لأبي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها، ليس له فيها حق، فقال النبي ﷺ: "أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ " قال: لا، قال: "فَلَكَ يَمِينُهُ"، فقال: يا رسول الله الرجل فاجر لا يبالي على ما
(١) البخاري (٥/ ١٧٢) رقم (٢٥١٦)، ومسلم (٢/ ٥١٨) رقم (١٣٨).
(٢) واسمه "ربيعة بن عبدان" كما جاء مصرحًا به عند مسلم في إحدى روايات الحديث رقم (١٣٩).
(٣) سميت "يمين الصبر" لأن صاحبها يصبر عليها أي يلزم بها ويحبس عليها. انظر: الدلائل في غريب الحديث (١/ ٢٨٦)، النهاية في غريب الحديث (٣/ ٨).
(٤) رواه أحمد (٥/ ٢١٢)، والطبراني في المعجم الكبير (١/ ٢٠٥) رقم (٦٤٠) وإسناده حسن.