فمن قال: لا يتخذ حبسًا، قال: لم يكن لرسول الله ﷺ ولا لخليفته١ بعده حبس، ولكن يُعوِّقه بمكان من الأمكنة، أو يقام عليه حافظ - وهو الذي يسمى الترسيم - أو يأمر غريمه بملازمته كما فعل النبي ﷺ٢.
ومن قال: له أن يتخذ حبسًا، قال: قد٣ اشترى عمر بن الخطاب ﵁ من صفوان بن أمية دارًا بأربعة آلاف درهم٤، وجعلها حبسًا٥.
ولما كان حضور مجلس الحاكم تعويقًا٦ من جنس الحبس تنازع العلماء: هل يحضر٧ الخصم المطلوب بمجرد الدعوى، أم لا يحضر٨ حتى يبين المدعي أن للدعوى أصلًا، على قولين، هما روايتان عن أحمد٩،
والأول: قول١ أبي حنيفة٢ والشافعي٣، والثاني: قول مالك٤.
فصل٥
ومنهم من قال: الحبس في التهم إنما هو لوالي٦ الحرب، دون القاضي، وقد ذكر هذا طائفة من أصحاب الشافعي كأبي عبد الله٧ الزبيري٨ والماوردي٩ وغيرهما، وطائفة من أصحاب أحمد من المصنفين في أدب القضاة١٠ وغيرهم، واختلفوا في مقدار الحبس في التهمة، هل هو مقدَّر أو مرجعه إلى اجتهاد الوالي والحاكم؟ على
(٥) لا يزال الكلام لابن تيمية ﵀، انظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ٣٩٩). وانظر: السياسة الشرعية لابن نجيم (٥٢)، ومعين الحكام (١٧٩).
(٦) وفي "ب" و"هـ": "لولي".
(٧) انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (٢٨٦).
(٨) هو الزبير بن أحمد بن سليمان الأسدي أبو عبد الله الزبيري العلامة شيخ الشافعية، توفي سنة ٣١٧ هـ - رحمه الله تعالى -. انظر: سير أعلام النبلاء (١٥/ ٥٧)، طبقات الشافعية للسبكي (٣/ ٢٩٥)، وللأسنوي (١/ ٢٩٩).