قولين ذكرهما الماوردي١ وأبو يعلى وغيرهما٢، فقال الزبيري: هو مقدر بشهر٣، وقال الماوردي: غير مقدر٤.
فصل٥
القسم الثالث: أن يكون المتهم معروفًا بالفجور، كالسرقة وقطع الطريق والقتل ونحو ذلك، فإذا جاز حبس المجهول فحبس هذا أولى.
قال شيخنا ابن تيمية٦: وما علمت أحدًا من أئمة٧ المسلمين يقول: إن المدعى عليه في جميع هذه الدعاوى يحلف ويرسل بلا حبس ولا غيره، فليس هذا - على إطلاقه - مذهبًا لأحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من الأئمة٨، ومن زعم أن هذا - على إطلاقه وعمومه - هو الشرع فقد غلط غلطًا فاحشًا مخالفًا
(١) الأحكام السلطانية (٢٨٦).
(٢) الأحكام السلطانية (٢٥٨).
(٣) انظر: الأحكام السلطانية للماوردي (٢٨٦)، الحاوي الكبير (١٣/ ٤٢٥).
(٤) الأحكام السلطانية (٢٨٦)، الحاوي الكبير (١٣/ ٤٢٥). وهذا مذهب الإمام مالك ﵀. تبصرة الحكام (٢/ ٣٢٢).
(٦) "ابن تيمية" ساقط من "أ". مجموع الفتاوى (٣٥/ ٤٠٠).
(٧) في باقي النسخ عدا "أ": "من الأئمة أئمة".
(٨) انظر: الإنصاف (٢٨/ ٤٣٩)، تبصرة الحكام (٢/ ١٥٨)، معين الحكام (١٧٨)، الفروع (٦/ ٤٧٩)، السياسة الشرعية لابن نجيم (٤٦)، السياسة الشرعية لدده أفندي (١٢٢)، حاشية ابن عابدين (٤/ ٨٢).
لنصوص١ رسول الله ﷺ ولإجماع الأمة.
وبمثل هذا الغلط الفاحش تجرأ الولاة على مخالفة الشرع، وتوهموا أن الشرع لا يقوم بسياسة العالم ومصلحة الأمة، وتعدوا حدود الله، وتولد من جهل الفريقين بحقيقة الشرع خروج٢ عنه إلى أنواع من الظلم والبدع والسياسة٣، جعلها هؤلاء من الشرع وهؤلاء قسيمة له ومقابلة له، وزعموا أن الشرع ناقص لا يقوم بمصالح الناس، وجعل أولئك ما فهموه من العموميات والإطلاقات٤ هو الشرع، وإن تضمن خلاف ما تشهد٥ به الشواهد والعلامات الصحيحة.
والطائفتان مخطئتان على الشرع أقبح خطأ وأفحشه، وإنما أتوا من تقصيرهم في معرفة الشرع الذي أنزل الله على رسوله، وشرعه بين عباده، كما تقدم بيانه٦، فإنه أنزل الكتاب بالحق ليقوم الناس بالقسط ولم يسوغ تكذيب صادق ولا إبطال أمارة وعلامة شاهدة بالحق، بل أمر بالتثبت في خبر الفاسق، ولم يأمر برده مطلقًا، حتى تقوم أمارة على صدقه فيقبل، أو كذبه فيرد، فحكمه دائر مع الحق، والحق دائر مع حكمه أين كان، ومع من كان، وبأي دليل صحيح كان، فتوسع كثير
(١) في "ب" و"هـ": "لنص".
(٢) في مجموع الفتاوى (٣٥/ ٤٠٠): "خروج الناس عنه" ا. هـ.