والعقوبة لا تختص بالحبس، بل هي بالضرب أظهر منها في الحبس، وثبت عنه ﷺ أنه قال: "مَطْلُ الغَنِيّ ظُلْمٌ"١، والظالم يستحق العقوبة شرعًا وقدرًا.
فصل
واتفق العلماء٢ على أن التعزيز مشروع في كل معصية ليس فيها حد، وهي نوعان: ترك واجب، أو فعل محرم، فمن ترك الواجبات مع القدرة عليها، كقضاء الديون، وأداء الأمانات: من الوكالات، والودائع، وأموال اليتامى، والوقوف، والأموال السلطانية، ورد الغصوب، والمظالم، فإنَّه يعاقب حتَّى يؤديها، وكذلك من وجب عليه إحضار نفس لاستيفاء حق واجب عليها، مثل: أن يقطع الطرق، ويلتجئَ إلى من يمنعه ويذب عنه، فهذا يعاقب حتَّى يحضره.
وقد روى مسلم في "صحيحه" عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لَعَن الله من أحدث حدثًا أو آوى محدثًا"٣.
= وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (٥/ ٧٦).
(١) رواه البخاري رقم (٢٢٨٧) (٤/ ٥٤٢)، ومسلم رقم (١٥٦٤) (١٠/ ٤٨٦).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٣٥/ ٤٠٢) تبصرة الحكام (٢/ ٢٨٩)، السياسة الشرعية لدده أفندي (١٢٥).
(٣) رواه البخاري رقم (١٨٧٠) (٤/ ٩٧)، ومسلم رقم (١٣٧٠) (٩/ ١٥٠) من حديث علي ﵁.
وروى أبو داود في "سننه" عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ - وَهُوَ يَعْلَمُ - لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللهِ حَتَّى يَنْزِعَ، وَمَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُوْنَ حَدٍّ مِنْ حُدُوْدِ اللهِ فَقَدْ ضَادَّ الله في أَمْرِهِ، وَمَنْ قَالَ فِي مُسْلِمٍ مَا١ لَيْسَ فِيْهِ حُبِسَ فِي رَدْغةِ الخَبَالِ٢ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا عَليه"٣.
قال: فما٤ وجب إحضاره من النفوس أو الأموال استحق الممتنعُ من إحضاره العقوبة٥، وأمَّا إذا كان الإحضار٦ إلى من يظلمه، أو إحضار المال إلى من يأخذه بغير حقٍّ، فهذا لا يجب ولا يجوز، فإنَّ
(١) من قوله في الفصل السابق "من عين أو دين وهو قادر" إلى قوله "ومن قال في مسلم ما" ساقط من جميع النسخ عدا النسخة "أ".
(٢) في "ب": "ردعة الحاكم". الردغة - بسكون الدال وفتحها -: طينٌ ووحل كثير، النهاية (٢/ ٢١٥)، المجموع الغيث (١/ ٧٥١)، والخبال في الأصل الفساد ويكون في الأفعال والأبدان والعقول، وجاء في الحديث أنَّ الخبال عصارة أهل النَّار. النهاية (٢/ ٨).
(٣) "عليه" ساقطة من "أ". والحديث رواهُ أحمد (٢/ ٧٠)، وأبو داود رقم (٣٥٩٧)، والحاكم (٢/ ٧٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٣٥)، وفي الشعب (٥/ ٣٠٤ و٣٠٥) من حديث ابن عمر ﵄، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وحسنه الحافظ ابن حجر في هداية الرواة (٣/ ٤٣٦).