مجرى الإقرار فليس بإقرار صحيح١ صريح فلا يراق به الدم بمجرده، ولا مع يمين المدعي إلا في القسامة للَّوث.
وإذا قلنا: يستحلف ولا يقضى بالنكول في غير الأموال، كان فائدة الاستحلاف حبسه إذا أبى الحلف في أحد الوجهين. وفي الآخر: يخلى سبيله؛ لأنه لا يقضى عليه بالنكول، ولم يثبت عليه ما٢ يعاقب عليه٣ بالضرب والحبس حتى يفعله، فإنه يحتمل أن يكون المدعي محقًّا، وأن يكون مبطلًا، فكيف يعاقب المدعى عليه بمجرد دعواه وطلب يمينه؟ وتكون فائدة اليمين٤ على هذا انقطاع الخصومة والمطالبة.
فصل
وقد استثني من عدم التحليف في الحدود صورتان:
إحداهما: إذا قذفه فطلب حد القذف، فقال القاذف: حلفوه أنه لم يزن. فذكر أصحاب الشافعي فيه وجهين٥، قال في "الروضة"٦:
والصورة الثانية: أن يكون المقذوف ميتًا، وأراد القاذف تحليف الوارث١ أنه لا يعلم زنا مورثه، فله ذلك. وحكي عن الشافعي٢ - رحمه الله تعالى -.
والصحيح قول الجمهور٣: أنه لا يحلف، بل القول بتحليفه في غاية السقوط، فإن الحد يجب بقذف المستور الذي لم يظهر زناه، وليس من شرطه ألا يكون قد زنى في نفس الأمر، ولهذا لا يسأله الحاكم عن ذلك، ولا يجوز له سؤاله، ولا يجب عليه الجواب. وفي تحليفه تعريضه للكذب واليمين الغموس إن كان قد ارتكب ذلك، أو تعريضه لفضيحة نفسه وإقراره بما يوجب عليه الجلد، أو فضيحته بالنكول الجاري مجرى الإقرار، وانتهاك عرضه للقاذفين٤ الممزقين لأعراض المسلمين، والشريعة لا تأتي بشيء من ذلك، ولذلك لم يقل أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة بتحليف المقذوف أنه لم يزن، ولم يجعلوا ذلك شرطا في إقامة الحد.