الطرق الحكمية

والأصح أنه يحلف.

والصورة الثانية: أن يكون المقذوف ميتًا، وأراد القاذف تحليف الوارث١ أنه لا يعلم زنا مورثه، فله ذلك. وحكي عن الشافعي٢ - رحمه الله تعالى -.

والصحيح قول الجمهور٣: أنه لا يحلف، بل القول بتحليفه في غاية السقوط، فإن الحد يجب بقذف المستور الذي لم يظهر زناه، وليس من شرطه ألا يكون قد زنى في نفس الأمر، ولهذا لا يسأله الحاكم عن ذلك، ولا يجوز له سؤاله، ولا يجب عليه الجواب. وفي تحليفه تعريضه للكذب واليمين الغموس إن كان قد ارتكب ذلك، أو تعريضه لفضيحة نفسه وإقراره بما يوجب عليه الجلد، أو فضيحته بالنكول الجاري مجرى الإقرار، وانتهاك عرضه للقاذفين٤ الممزقين لأعراض المسلمين، والشريعة لا تأتي بشيء من ذلك، ولذلك لم يقل أحد من الصحابة ولا التابعين ولا الأئمة بتحليف المقذوف أنه لم يزن، ولم يجعلوا ذلك شرطا في إقامة الحد.

  1. = (٣/ ٣٧٢)، فتوحات الوهاب (٤/ ٤٢٧)، التجريد (٤/ ٦٦)، إعانة الطالبين (٤/ ١٥١).
  2. (١) "الوارث" ساقطة من "أ".
  3. (٢) انظر: أدب القاضي لابن القاص (١/ ٢٤٢) روضة الطالبين (٨/ ٣١٦)، طبقات الشافعية للسبكي (٣/ ٦١).
  4. (٣) انظر: الروض المربع (٧٢٧)، المغني (١٢/ ٤٠٩)، المدونة (٦/ ٢١٤)، المنثور للزركشي (٣/ ٢٨٣).
  5. (٤) في جميع النسخ عدا "أ": "القادحين".
299

فالقول بالتحليف في غاية البطلان، وهو مستلزم لما ذكرناه من المحاذير، ولا سيما إن كان قد فعل شيئًا من ذلك ثم تاب منه، ففي إلزامه التحليف تعريضه لهتيكة نفسه، أو إهدار عرضه. ولهذا كان الصواب قول أبي حنيفة١: إن البكر إذا زالت بكارتها بالزنا فإذنها الصمات؛ لأنا لو٢ اشترطنا نطقها لكنا قد ألزمناها بفضيحة نفسها وهتك عرضها، بل إذا اكتفي من البكر بالصمات لحيائها فلأن يكتفى من هذه بالصمات بطريق الأولى؛ لأن حياءها من الاطلاع على زناها أعظم بكثير من حيائها٣ من كلمة "نعم" التي٤ لا تذم بها ولا تعاب، ولا سيما إن كانت قد أكرهت على الزنا، بل الاكتفاء من هذه بالصمات أولى من الاكتفاء به من البكر؛ فهذا من محاسن الشريعة وكمالها.

وقول النبي ﷺ: "إِذْنُ البِكْر الصمَاتُ، وإِذن الثَّيِّبِ الكَلَامُ"٥.

المراد به: الثيب التي قد علم أَهلها والنَّاس أنَّها ثيب، فَلا تستحيي من ذلك، ولهذا لو زالت بكارتها٦ بإصبع أو وثبة لم تدخل في لفظِ

  1. (١) انظر: تبيين الحقائق (٢/ ١٠٢)، الفتاوى الكبرى (٣/ ١٤٢).
  2. (٢) في "ب": "لا بل لو".
  3. (٣) "من الاطلاع على زناها أعظم بكثير من حيائها" ساقط من "ب".
  4. (٤) وفي "أ": "إلى من".
  5. (٥) رواه البخاري (٩/ ٩٨) رقم (٥١٣٦) من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: "لا تنكح الأيم حتَّى تستأمر ولا تنكح البكر حتَّى تستأذن"، قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها، قال: "أن تسكت". ولم أجد اللفظ الَّذي ذكره المؤلِّف ورواه البيهقي (٧/ ١٩٩) بلفظ: "الثيب تعرب عن نفسها، والبكر رضاها صمتها".
  6. (٦) وفي "ب" و"جـ": "ثيوبتها".
300

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي